العرف والعادة خطأ واضح لا يجوز الاغترار به . والله الموفق .
وأعتقد أن المؤلف - عفا الله عني وعنه - قد فتح بمذهبه هذا بابا واسعا من
الشر لا يمكن غلقه إلا بإعطاء أوامر النبي ( ص ) وسنته التعبدية من التقدير
والاعتبار ما تستحق ، فإنه إذا كان هو يرى ترك الخضاب مع ثبوته عنه ( ص ) فعلا
وأمرا لمجرد مخالفة ذلك لعادة المسلمين اليوم ، فما الذي يمنع غير المؤلف -
ممن ليس عنده من العلم بالسنة وقدرها ما عند المؤلف - أن يتجاوز هذه المسألة
إلى غيرها ، ومنها إلى أخرى ، ويجيز تركها كلها على الرغم من أمره ( ص ) بها
وحضه عليها ، كل ذلك لمخالفتها لعادة المسلمين وأذواقهم ؟ ! وأي مسلمين ؟ مسلمو
القرن العشرين ؟ !
لقد كنا ولا نزال نشكو من إعراض أكثر المسلمين عن العمل بالحديث
تعصبا منهم لأئمتهم ، ونشكوا من مخالفة بعض الصوفية للأوامر الشرعية لأنها -
بزعمهم - لا تتفق مع أذواقهم ، وإذا بنا اليوم - ونحن ندعي الغيرة على الإسلام
والعمل بالسنة - أمام تعصب جديد ، وصوفية حديثة ، نقدم أذواقنا وعاداتنا ،
ونتعصب لها على هديه ( ص ) وأمره دون أن يكون لنا في ذلك قدوة فيمن سلف ، من
امام يوثق بعلمه وذوقه !
قرأت منذ بضعة أيام كتاب " الإسلام المصفى " ( 1 ) لأحد الكتاب الغيورين
هامش
( 1 ) تأليف محمد عبد الله السمان ، وهو - والحق يقال - كتاب
قيم قد عالج فيه كثيرا من المسائل والقواعد التي تهم المسلم في العصر الحاضر ،
ولكنه عفا الله عنه قد اشتط كثيرا في بعض ما تحدث عنه ، ولم يكن الصواب فيه
حليفه ، مثل مسالة إعفاء اللحية الآتية ، ومثل إنكاره شفاعته ( ص ) لأهل
الذنوب ، وإنكاره نزول عيسى وخروج الدجال والمهدي .
قد أنكر كل ذلك ، وزعم أنها " ضلالات مصنوعة " ، وأن الأحاديث التي وردت فيها
أحاديث آحاد ، لم تبلغ حد التواتر .
ونحن نقول للأستاذ كلمتين مختصرتين :
1 - دعواك أن الأحاديث المشار إليها غير متواترة غير مقبولة
منك ، ولا ممن سبقك إليها ، مثل الشيخ شلتوت وغيره ، لأنها لم تصدر من ذوي
الاختصاص في علم الحديث ، ولا سيما وقد خالفت شهادة المتخصصين فيه كالحافظ ابن
كثير ، وابن حجر ، والشوكاني ، وغيرهم ، حيث صرحوا بأن حديث النزول متواتر ،
وذلك يتضمن لواتر حديث خروج الدجال من باب أولى ، لأن طرقه أكثر ؟ كما لا
يخفى على المشتغلين بهذا العلم الشريف ، وقد كنت جمعت في بعض المناسبات
الطرق الصحيحة فقط لحديث النزول ، فجاوزت العشرين طريقا عن تسعة عشر صحابيا ،
فهل التواتر غير هذا ؟
2 - تقسيمك أنت وغيرك - أيا كان - الأحاديث الصحيحة إلى قسمين . قسم يجب
على المسلم قبولها ، ويلزمه العمل بها ، وهي أحاديث الأحكام ، ونحوها . وقسم لا
يجب عليه قبولها والاعتقاد بها ، وهي أحاديث العقائد وما يتعلق منها بالأمور
الغيبية .
أقول : إن هذا تقسيم مبتدع لا أصل في كتاب الله ولا في سنة رسوله ( ص ) ، ولا
يعرفه السلف الصالح ، بل عموم الأدلة الموجبة للعمل بالحديث تقتضي وجوب
العمل بالقسمين كليهما ، ولا فرق ، فمن ادعى التخصيص فليتفضل بالبين مشكورا ،
وهيهات هيهات ! !
ثم ألفت رسالتين هامتين جدا في بيان بطلان التقسيم المذكور ، الأولى : " وجوب
الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة " ، والأخرى : " الحديث حجة بنفسه في العقائد
والأحكام " .