تعالى - مثلهم كمثل الذي استوقد نارا - لأنا نقول : المراد بكون المعنى مفردا أن يلاحظ ملاحظة واحدة في ضمن
لفظ واحد ، سواء لم يكن له أجزاء أو كانت له أجزاء متعددة لو حظت دفعة إجمالا ، ويكون المعنى مركبا أن
يلتفت إلى أشياء عدة كل على حدة ، ثم يضم بعضها إلى بعض وتصير هيئة وحدانية ، وكل معنى ذي أجزاء عبر
عنه بلفظ واحد لم تكن تفاصيلها محلوظة ولم تعد مركبا . وأما التشبيه بالمثل فلا يغنى عنك شياء فإن الحالة المختصگ
المشبهة إنما تفهم من ألفاظ مقدرة : أي مثلهم بما ذكر من إظهار الإيمان وإبطال الكفر وما يترتب عليه من الخداع
المستتبع للمنافع ، كما أن الحالة المشبهة بها تفهم من جميع الألفاظ المذكورة ههنا ( قوله ونحوه هو على الحق )
تجرى فيه الوجوه الثلاثة ( قوله وقد صرحوا بذلك ) لما ذكر أن كلمة على مستعارة للتمسك بالهدى لزم من ذلك
تشبيه الهدى ونظائره بالمركوب ، وربما تبادر إلى بعض الأوهام استبعاده ، فأزاله بأن هذا التشبيه فيما ذكرناه ضمني
غير مقصود من الكلام ، وقد صرحوا به في مواضع أخر وجعلوه مقصودا منه . أما في صورة التشبيه كما في قولهم
جعل الغواية مركبا ، فإنه في قوة قولك الغواية مركب : أي كالمركب . وأما في صورة الاستعارة كما في قولهم
اقتعد غارب الهوى ، فقد شبه الهوى بالمطية على طريقة الاستعارة المكنية ورمز لها بإثبات الغارب ورشح بذكر
الاقتعاد . وأما قولهم متطي الجهل ، فإن جعل بمنزلة قولك ركب مطية الجهل كان استعارة بالكناية كغارب الهوى
وإن جعل في قوة قولك اتخذ الجهل مطية كان تشبيها كالأول ، وأيا ما كان فتشبيه الجهل بالمطية مقصود من
الكلام وهو المراد بكونه مصرحا به . وقيل امتطى هو استعارة تبعية شبه اتصافه بالجهل واستقراره عليه بامتطاء
المطية ، واستعير اسم المشبه به للمشبه وسرت الاستعارة إلى الفعل ، وذكر المفعول : أي الجهل قرينة لها . ويرد
عليه أنه لافرق حينئذ بينه وبين قوله على هدى في أن تشبيه الهدى والجهل بالمركوب ليس مقصودا منهما ،
والتشبيه المقصود مستفاد من الاستعارة التبعية ، فجعله في أحدهما مصرحا به دون الآخر تحكم ، والفرق بأن معنى
الاستعلاء خارج عن معنى الحرف ومعنى المصدر داخل في الفعل غير صحيح ، وعلى تقدير صحته فالظاهر أنه
لا يوجب الاختلاف المذكور ، وقد يتوهم أن لفظ ذلك في قوله وقد صرحوا بذلك إشارة إلى التشبيه المدلول عليه
بقوله شبهت : أعني التشبيه المقصود بالاستعارة في علي ، وهو بعيد إذ لا ينطبق عليه شئ من الأمثلة . وقيل إشارة
إلى إرادتهم معنى الاستعلاء والركوب وهذا أبعد ( قوله أي منحوه ) زاد حرف التفسير بين المبتدأ والخبر تأكيدا
للاتحاد وزيادة في البيان ، والمقصود أن من ابتدائية ومن ربهم صفة لهدى وتفسيره باللطف والتوفيق رعاية لمذهبه .
وأما عند الجماعة فهو خلق الاهتداء فيهم ، والتوفيق هو اللطف الداعي إلى أعمال الخير ، كما أن العصمة هي
اللطف الزاجر عن أعمال الشر ( قوله إلى الأفضل فالأفضل ) قيل هذه الفاء للتعقيب على سبيل الاستمرار ، والمعنى :
أنه إذا ساعدهم اللطف على عمل فأقدموا عليه استنزلوا لطفا آخر أكمل من الأول فيحدثوا به عملا أفضل ، وهكذا
الحاشية على الكشاف — صفحة 144
مساهمون: علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني
ص١٤٤