الحسن ، فإن الأولى في وصف الكتاب بكمال الهداية للمؤمنين ، والثانية لسلب الاهتداء عن طائفة أخرى لم
يؤمنون به . قويل المعنى على التعريض أن الكتاب هدى للمتقين وليس هدى لمن عداهم ، فالمعطوف والمعطوف عليه
متناسبان غاية التناسب . وفيه نظر لأن سلب كونه هدى لغيرهم ليس صفة كمال له فلا يلائم تلك الأوصاف
الفاضلة التي يشد بعضها بعضا ، بخلاف سلب الهداية عمن لم يؤمنوا به فإن فيه إشارة إلى كماله ، وإن اختلف
الموصولان ذاتا كان الأولى بالثاني أن يعطف على الأول تقسيما للمتقين ، فإذا جعل مبتدأ فإن لم يجعل الاختصاص
تعريضا فقد ترك ما هو أولى بلا سبب وفات نكتة السؤال المقدر ، وكان التخصيص المستفاد من المعطوف منافيا
في الظاهر لما استفيد من المعطوف عليه من التخصيص ، وإن جعل تعريضا كان وجهه ههنا أظهر مما مر ، ولم يكن
التخصيص في المعطوف مقصودا بل وسيلة إلى التعريض ، وتعين أن يكون بالقياس إلى المعرض بهم والحال في
العطف كما سلف ( قوله وفى اسم الإشارة ) توهم بعضهم أن الإيذان المذكور مختص بما إذا وقع الاستثناف على
أولئك وهو باطل ، والصواب كما أشرنا إليه أنه جار على جميع الأوجه الثلاثة ، وذلك لما عرفت من أن أسماء
الإشارة حقها أن يشار بها إلى محسوس مشاهد وإلى ما ينزل منزلته في تميزه وظهوره ، ولما كانت الصفات المجراة
على المتقين مميزة لهم جاعلة إياهم كأنهم حاضرون مشاهدون وضع أولئك موضع المضمر إشارة إليهم من حيث
أنهم موصوفون بها كأنه قيل أولئك المتميزون بتلك الصفات ، فصار الكلام من ترتيب الحكم على الأوصاف
المناسبة ومفيدا للعلية ، بخلاف المضمر فإنه راجع إلى الذات وليس فيه ملاحظة أوصافها وإن كانت متصفة بها
في نفسها ، فلا ترتيب هنالك على وصف مناسب ، فإن قلت : قد تقدم منك في توجيه قوله فيكون الخطاب أدل
على أن العبادة له بذلك التمييز ما يدل على أن في المضمر إيذانا في الجملة وسياق كلامه ههنا ينافيه . قلت : إذا حمل
التنوين في إيذان على التعظيم زالت المنافاة ( قوله فالمذكورون قبله ) أدخل الفاء في خبر إن المفتوحة على معنى
السببية بحسب الإخبار ، وإنما قال أهل لاكتسابه لأن الهدى والفلاح نتيجة الكسب ( قوله ولله صعلوك ) أوله :
لحا الله صعلوكا مناه وهمه * من العيش أن يلقى لبوسا ومطعما
ينام الضحى حتى إذا ليله أتى * تنبه مسلوب الفؤاد مورما
ولله صعلوك ياسور همه * ويمضى على الأحداث والدهر مقدما
فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة * ولا شبعة إن نالها عد مغنما
إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت * تيمم كبراهن ثمة صمما
يرى رمحه أو نبله ومجنه * وذا شطب عضب الضريبة مخذما
وأحناه سرج فاتر ولجامه * عتاد أخي هيجا وطرفا مسوما
الحاشية على الكشاف — صفحة 141
مساهمون: علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني
ص١٤١