يحصل ومنه وأقيموا الصلاة من الإقامة بهذا المعنى : أي حصلوها وائتوا بها على الوجه المجزى شرعا وهو معنى
الأداء وما نحن فيه ، أعني يقيمون الصلاة لما كان في معرض المدح بلا دلالة على إيجاب كان حمله على تعديل
أركانها كما ذكره المصنف أولى فإنه المناسب لترتيب الهدى الكامل والفلاح الشامل ، ومن جعله بمعنى يؤدون
الصلاة فوجهه ما لخصناه لا ما ذهب إليه المصنف . وأما المعنيان الأخيران أعني المداومة والتجلد فلا يخلو وجه
تخريجهما عن خدشة ( قوله لوجود التسبيح ) أي إذا جاز التعبير عن الصلاة بالتسبيح لوجوده فيها وإن لم يكن ركنا
منها فلأن يعبر عنها بما هو ركن لها أولى ( قوله على لفظ المفخم ) التفخيم ههنا إمالة الألف نحو مخرج الواو لا ما هو
ضد الإمالة أو ضد الترقيق ( قوله وحقيقة صلى ) يريد أن صلى مأخوذ من الصلاة على معنى حرك الصلوين وهما
العظمان الناتئات في أعلى الفخذين ، يقال ضرب الفرس صلويه بذنبه : أي ما عن يمينه وشماله ، ثم استعمل بمعنى
فعل الهيأت المخصوصة مجازا لغويا لأن المصلى يحرك صلويه في ركوعه وسجوده . ثم استعيرت منه للدعاء تشبيها
للداعي بالمصلى في خضوعه وخشوعه . وفيه ضعف من وجهين : الأول أن الاشتقاق مما ليس بحدث قليل . الثاني
أن الصلاة بمعنى الدعاء سائغ في أشعار الجاهلية ، ولم يرو عنهم إطلاقها على ذات الأركان بل ما كانوا يعرفونها
فأنى لهم التجوز عنها . فالأولى ما ذهب إليه الجمهور من أن الصلاة حقيقة في الدعاء مجاز لغوى في الهيئات المخصوصة
المشتملة عليه ، وفى هذا المقام كلام مشهور في أصول الفقه . فإن قلت : إذا ثبت صلى بمعنى تحريك العضوين
كان الأنسب أن يؤخذ منه لفظ الصلاة بمعنى الهيئة ثم يشتق منها صلى بمعنى أحدثها فلم عكس المصنف ؟ قلت :
لأن المناسبة بين تحريك العضو وإحداث الهيئة أقوى منها بين تحريكه ونفس الهيئة ، ولذلك أيضا جعل الزكاة من
زكى الشرعي المأخوذ من زكى اللغوي على أن قوله الصلاة من صلى قد يراد به أنها من جنسه : أي أنهما قد
يتلاقيان في الاشتقاق بلا تعيين للمشتق منه فجاز أن يكون صلى مشتقا منها ( قوله كفر اليهودي ) أي حرك
الكافرتين وهما الأليتان ، وأما الكاذتان فهما اللحمتان المكتنزتان بين الورك والفخذ في أعلى الفخذين في موضع
الكي من جاعرتي الحمار . وقيل الكافرة لحم ظاهر العجز أسفل من الجاعرة ويقرب منه ما قاله الجوهري من أن
الكاذة ما نتأ من اللحم في أعلى الفخذ ، والمصنف لم يفرق بين الكاذتين والكافرتين ولا بعد فيه لعلاقة الجزئية .
قال رحمه الله تعالى : استعمال التكفير في الخضوع والانقياد مشهور ، قال جرير * فضعوا السلاح وكفروا تكفيرا *
أي اخضعوا وانقادوا ، وفى الحديث " فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان " أي تذل وتفزع بالطاعة ، فالأوضح أن
يشتق من الكفر من باب قردت البعين فهو بمعنى إزالته لأن الخضوع باب من الشكر ، أو من الكفر بمعنى الستر
الحاشية على الكشاف — صفحة 131
مساهمون: علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني
ص١٣١