فإنه يستر مقابحه عند من خضع له ( قوله وإسناد الرزق ) لا خلاف بين الجماعة والمعتزلة في أن المراد بما رزقناهم
هو الحلال ، إلا أن الجماعة لما سموا الحرام رزقا وأسندوا الأشياء كلها إلى الله تعالى تمسكوا في ذلك بأن المدح إنما
يكون بالإنفاق من الحلال وبأن الاتصاف بالتقوى يقتضيه أيضا ، وبأن الإسناد إلى الله تعالى عند الإطلاق منصرف
إلى ما هو أفضل وأكمل . وأما المعتزلة فلا يسمون الحرام رزقا لأنه ليس برزق لغة ، ولا يجوزون إسناده إلى الله
تعالى لتعاليه عن القبائح ، فلفظ الرزق وإسناده إلى الله تعالى دليلان لهم على أن المنفق ههنا هو الحلال الطلق : أي
الخالص الطيب . والمصنف تمسك بالإسناد فقط نظرا إلى أن الرزق لغة يتناول الحرام أيضا وتخصيصه بما عداه
عندهم عرف شرعي ، ولهذا قال يسمى رزقا منه ، وربما يقال بنى الكلام على الفرض : أي لو فرض أنه يسمى
رزقا شرعا أو لغة فالإسناد إلى الله تعالى يخرجه قطعا . واعلم أن الرزق لغة هو إخراج حظ إلى آخر لينتفع به ، ثم
شاع استعماله عرفا وشرعا على إعطاء الله تعالى الحيوان ما ينتفع به ويستعمل بمعنى المرزوق ، فتارة يراد به ما أعطاه
الله تعالى عبده ومكنه من التصرف فيه ، وبهذا المعنى يمكن أن ينفق بعضه أو كله ، وأخرى يراد به ما هو لقوامه
وبقائه خاصة فلا يتصور فيه إنفاق على غيره ( قوله وكفا ) عطف تفسيري لقوله صيانة قد يتوهم أن الكف للباقين
والصيانة للماضين ، أو الكف في الاستقبال والصيانة في الماضي : أي أدخل من التبعيضية للدلالة على كونهم
مصونين عن رذيلة الإسراف ( قوله وقدم مفعول الفعل ) سمى الجار والمجرور مفعول الفعل على الإطلاق تنبيها على
أنه مفعول به في المعنى : أي بعض ما رزقناهم ينفقون ، ولذلك قال : ويخصون بعض المال الحلال . وأما بحسب
اللفظ فيقدر هنالك موصوف : أي شيئا مما رزقناهم ، وأما كونه أهم فلقصد معنى الاختصاص مع رعاية
الفاصلة . فإن قلت : إدخال من التبعيضية يغنى عن التقديم للتخصيص ، فإن إنفاق البعض يتبادر منه عدم الشمول
ومن ثم كان فيه صيانة وكف . قلت : قد يجوز معه الشمول على أنه محتمل مرجوح ، فإذا قدم زال احتماله
بالكلية ، يدلك على ذلك تأملك في الفرق بين قولك أنفق زيد بعض ماله ، وقولك بعض ماله أنفق ( قوله وجائز
أن يراد به ) أي ببعض المال الذي خص بالتصدق أو بقوله مما رزقناهم ( قوله بأخت الزكاة وشقيقتها ) أي من
الحاشية على الكشاف — صفحة 132
مساهمون: علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني
ص١٣٢