تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار . ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار . ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب . ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليجزى الفاسقين .
شرح
المؤمنين ؟ قلت : لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه ( فاعتبروا ) بما دبر الله ويسر من أمر إخراجهم وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال . وقيل وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يورثهم الله أرضهم وأموالهم بغير قتال فكان كما قال : يعنى أن الله قد عزم على تطهير أرض المدينة منهم وإراحة المسلمين من جوارهم وتوريثهم أموالهم ، فلولا أنه كتب عليهم الجلاء واقتضته حكمته ودعاه إلى اختياره أنه أشق عليهم من الموت ( لعذبهم في الدنيا ) بالقتل كما فعل بإخوانهم بني قريظة ( ولهم ) سواء أجلوا أو قتلوا ( عذاب النار ) يعنى إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة ( من لينة ) بيان لما قطعتم ومحل ما نصب بقطعتم كأنه قال : أي شئ قطعتم ؟ وأنث الضمير الراجع إلى " ما " في قوله " أو تركتموها ) لأنه في معنى اللينة واللينة النخلة من الألوان وهى ضروب النخل ما خلا العجوة والبرنية وهما أجود النخيل ، وياؤها عن واو قلبت لكسرة ما قبلها كالديمة . وقيل اللينة : النخلة الكريمة كأنهم اشتقوها من اللين . قال ذو الرمة : كأن قتودي فوقها عش طائر * على لينة سوقاء تهفو جنوبها وجمعها لين . وقرئ قوما وعلى أصلها ، وفيه وجهان : أنه جمع أصل كرهن ورهن ، أو اكتفى فيه بالضمة عن الواو . وقرئ قائما على أصوله ذهابا إلى لفظ ما ( فبإذن الله ) فقطعها بإذن الله وأمره ( وليخزي الفاسقين ) وليذل اليهود ويغيظهم إذن في قطعها ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر أن تقطع نخلهم وتحرق قالوا : يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها ، فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شئ فنزلت ، يعنى أن الله أذن لهم في قطعها ليزيدكم غيظا ويضاعف لكم حسرة إذا رأيتموهم يتحكمون في أموالكم كيف أحبوا ويتصرفون فيها ما شاءوا . واتفق العلماء أن حصول الكفرة وديارهم لا بأس بأن تهدم وتحرق وتغرق وترمى بالمجانيق ، وكذلك أشجارهم لا يأس بقلعها مثمرة كانت أو غير مثمرة . وعن ابن مسعود : قطعوا منها ما كان موضعا للقتال . فإن قلت : لم خصت اللينة بالقطع ؟ قلت : إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية ، وإن كانت من كرام النخل فليكون غيظ اليهود أشد وأشق . وروى أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة والآخر اللون ، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هذا تركتها لرسول الله ،
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 81 | الزمخشري