تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون . يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم . لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شئ من فضل الله
شرح
على الناذر رعاية نذره لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه ( فآتينا الذين آمنوا ) يريد أهل الرحمة والرأفة الذين اتبعوا عيسى ( وكثير منهم فاسقون ) الذين لم يحافظوا على نذرهم . ويجوز أن تكون الرهبانية معطوفة على ما قبلها وابتدعوها صفة لها في محل النصب : أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عندهم ، بمعنى وفقناهم للتراحم بينهم ، ولابتداع الرهبانية واستحداثها ما كتبناها عليهم إلا ليبتغوا بها رضوان الله ويستحقوا بها الثواب على أنه كتبها عليهم وألزمها إياهم ليتخلصوا من الفتن ويبتغوا بذلك رضا الله وثوابه ، فما رعوها جميعا حق رعايتها ولكن بعضهم ، فآتينا المؤمنين المراعين منهم الرهبانية أجرهم وكثير منهم فاسقون وهم الذين لم يرعوها ( يا أيها الذين آمنوا ) يجوز أن يكون خطابا للذين آمنوا من أهل الكتاب والذين آمنوا من غيرهم ، فإن كان خطابا لمؤمني أهل الكتاب ، فالمعنى : يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد ( يؤتكم ) الله ( كفلين ) أي نصيبين ( من رحمته ) لإيمانكم بمحمد وإيمانكم بمن قبله ( ويجعل لكم ) يوم القيامة ( نورا تمشون به ) وهو النور المذكور في قوله - يسعى نورهم ( ويغفر لكم ) ما أسلفتم من الكفر والمعاصي ( لئلا يعلم ) ليعلم ( أهل الكتاب ) الذين لم يسلموا ولا مزيدة ( ألا يقدرون ) أن مخففة من الثقيلة أصله أنه لا يقدرون : يعنى أن الشأن لا يقدرون ( على شئ من فضل الله ) أي لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله من الكفلين والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا برسول الله فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله ولم يكسبهم فضلا قط ، وإن كان خطابا لغيرهم فالمعنى : اتقوا الله واثبتوا على إيمانكم برسول الله يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الكفلين في قوله - أولئك يؤتون أجرهم مرتين - ولا ينقصكم من مثل أجرهم لأنكم مثلهم في الإيمانين لا تفرقون بين أحد من رسله . روى " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جعفرا رضي الله عنه في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه ، فقدم جعفر عليه فدعاه فاستجاب له ، فقال ناس ممن آمن من أهل مملكته وهم أربعون رجلا : ائذن لنا في الوفادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأذن لهم فقدموا مع جعفر وقد تهيأ لوقعة أحد ، فلما رأوا ما بالمسلمين من خصاصة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعوا وقدموا بأموال لهم فآسوا بها المسلمين ، فأنزل الله - الذين آتيناهم الكتاب - إلى قوله - ومما رزقناهم ينفقون - فلما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب - قوله يؤتون أجرهم مرتين - فخروا على المسلمين وقالوا : أما من آمن بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين ، وأما من لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجركم فما فضلكم علينا ؟ فنزلت " وروى أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوا الفضل عليهم فنزلت . وقرئ لكي يعلم ولكيلا يعلم وليعلم ولأن يعلم بإدغام النون في الياء ، ولين يعلم بقلب الهمزة ياء وإدغام النون في الياء . وعن الحسن : ليلا
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 68 | الزمخشري