ويتقه فأولئك هم الفائزون . وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل
لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون . قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول
إلا البلاغ المبين . وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في
شرح
( ويتقه ) فيما يستقبل . وعن بعض الملوك أنه سأل عن آية كافية فتليت له هذه الآية . جهد يمينه مستعار من جهد
نفسه إذا بلغ أقصى وسعها وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غاية شدتها ووكادتها . وعن ابن عباس رضي الله عنه :
من قال بالله فقد جهد يمينه . وأصل أقسم جهد اليمين : أقسم يجهد اليمين جهدا ، فحذف الفعل وقدم المصدر
فوضع موضعه مضافا إلى المفعول كقوله - فضرب الرقاب - ، وحكم هذا المنصوب حكم الحال كأنه قال : جاهدين
أيمانهم و ( طاعة معروفة ) خبر مبتدأ محذوف ، أو مبتدأ محذوف الخبر : أي أمركم والذي يطلب منكم طاعة
معروفة معلومة لا يشك فيها ولا يرتاب ، كطاعة الخلص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره ، لا أيمان
تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها ، أو طاعتكم طاعة معروفة بأنها بالقول دون الفعل ، أو طاعة معروفة
أمثل وأولى بكم من هذه الايمان الكاذبة ، وقرأ اليزيدي طاعة معروفة بالنصب على معنى أطيعوا طاعة ( إن الله
خبير ) يعلم ما في ضمائركم ولا يخفى عليه شئ من سرائركم وإنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم . صرف
الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات وهو أبلغ في تبكيتهم . يريد فإن تتولوا فما ضررتموه وإنما
ضررتم أنفسكم ، فإن الرسول ليس عليه إلا ما حمله الله وكلفه من أداء الرسالة ، فإذا أدى فقد خرج عن عهدة تكليفه ،
وأما أنتم فعليكم ما كلفتم من التلقي بالقبول والاذعان ، فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتكم نفوسكم لسخط الله
وعذابه ، وإن أطعتموه فقد أحرزتم نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى الهدى ، فالنفع والضرر عائدان إليكم ،
وما الرسول إلا ناصح وهاد وما عليه إلا أن يبلغ ماله نفع في قبولكم ولا عليه ضرر في توليكم . والبلاغ بمعنى
التبليغ كالأداء بمعنى التأدية . ومعنى المبين كونه مقرونا بالآيات والمعجزات . الخطاب لرسول الله صلى الله عليه
وسلم ولمن معه ، ومنكم للبيان كالتي في آخر سورة الفتح . وعدهم الله أن ينصر الاسلام على الكفر ويورثهم
الأرض ويجعلهم فيها خلفاء كما فعل ببنى إسرائيل حين أورثهم مصر والشأم بعد إهلاك الجبابرة ، وأن يمكن الدين
المرتضى وهو دين الاسلام ، وتمكينه تثبيته وتوطيده ، وأن يؤمن سربهم ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه ،
وذلك أن النبي صلى الله عيه وسلم وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين ، ولما هاجروا كانوا بالمدينة
يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى قال رجل : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ، فقال صلى الله عليه
وسلم : لا تغبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملا العظيم محتبيا ليس معه حديدة ، فأنجز الله وعده وأظهرهم
على جزيرة العرب وافتتحوا بعد بلاد المشرق والمغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم واستولوا على الدنيا
ثم خرج الذين على خلاف سيرتهم فكفروا بتلك الأنعام وفسقوا ، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم " الخلافة بعدي
ثلاثون سنة ، ثم يملك الله من يشاء فتصير ملكا ، ثم تصير بزيزى قطع سبيل وسفك دماء وأخذ أموال بغير حقها "
وقرئ كما استخلف على البناء للمفعول وليبدلنهم بالتشديد . فإن قلت : أين القسم المتلقى باللام والنون في ( ليستخلفنهم )