والقواعد من النساء التي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن
غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم . ليس على الأعمى
حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا
شرح
واعتبر غيره الانبات . وعن عثمان رضي الله عنه أنه سأل عن غلام فقال : هل اخضر إزاره . القاعد : التي
قعدت عن الحيض والولد لكبرها ( لا يرجون نكاحا ) لا يطمعن فيه ، والمراد بالثياب الثياب الظاهرة كالملحفة
والجلباب الذي فوق الخمار ( غير متبرجات بزينة ) غير مظهرات زينة يريد الزينة الخفية التي أرادها في قوله - ولا
يبدين زينتهن إلا لبعولتهن - أو غير قاصدات بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا احتجن إليه ، والاستعفاف من
الوضع خير لهن . لما ذكر الجائز عقبه بالمستحب بعثا منه على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها كقوله - وأن تعفوا
أقرب التقوى - وأن تصدقوا خير لكم - فإن قلت : ما حقيقة التبرج ؟ قلت : تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من
قولهم سفينة بارج لاغطاء عليها ، والبرج : سعة العين يرى بياضها محيطا بسوادها كله لا يغيب منه شئ ، إلا أنه
اختص بأن تتكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها . وبدا وبرز بمعنى ظهر من أخوات تبرج وتبلج كذلك .
كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم
فيطعمونهم منها ، فخالج قلوب المطعمين والمطعمين ريبة في ذلك ، وخافوا أن يلحقهم فيه حرج وكرهوا أن
يكون أكلا بغير حق لقوله تعالى - ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل - فقيل لهم ليس على الضعفاء ولا على أنفسكم : يعنى
عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك . وعن عكرمة : كانت الأنصار في أنفسها قزازة
فكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا . وقيل كان هؤلاء يتوقون مجالسة الناس ومواكلتهم لما عسى يؤدى
إلى الكراهة من قبلهم ، ولان الأعمى ربما سبقت يده إلى ما سبقت عين أكيله إليه وهو لا يشعر ، والأعرج يتفسح
في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه ، والمريض لا يخلو من رائحة تؤذى أو جرح يبض أو أنف
يذن ونحو ذلك . وقيل كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم
أن يأكلوا من بيوتهم فكانوا يتحرجون . حكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازيا وخلف مالك بن زيد في بيتا
وماله ، فلما رجع رآه مجهودا ، فقال : ما أصابك ؟ قال : لم يكن عندي شئ ولم يحل لي أن آكل من مالك