تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 7

مساهمون:

ص٧
ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزى ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق . ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد . ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن اصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين . يدعوا من دون الله مالا يضره ومالا ينفعه ذلك هو الضلال العبيد . يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير . إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد . من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ .
شرح
تعطفه ( ليضل ) تعليل للمجادلة . قرئ بضم الياء وفتحها . فإن قلت : ما كان غرضه من جداله الضلال ( عن سبيل الله ) فكيف علل به وما كان أيضا مهتديا حتى إذا جادل خرج بالجدال من الهدى إلى الضلال . قلت : لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه ، ولما كان الهدى معرضا له فتركه وأعرض عنه وأقبل على الجدال بالباطل جعل كالخارج من الهدى إلى الضلال . وخزيه : ما أصابه يوم بدر من الصغار والقتل . والسبب فيما منى به من خزى الدنيا وعذاب الآخرة هو ما قدمت يداه وعدل الله في معاقبته الفجار وإثابته الصالحين ( على حرف ) على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه ، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة : كالذي يكون على طرف من العسكر ، فإن أحس بظفر وغنيمة قر واطمأن وإلا فر وطار على وجهه . قالوا : نزلت في أعاريب قدموا المدينة ، وكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا سريا وولدت امرأته غلاما سويا وكثر ماله وماشيته قال : ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرا واطمأن ، وإن كان الامر بخلافه قال : ما أصبت إلا شرا وانقلب . وعن أبي سعيد الخدري " أن رجلا من اليهود أسلم فأصابته مصائب فتشاءم بالاسلام ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقلني ، فقال : إن الاسلام لا يقال ، فنزلت " . المصاب بالمحنة بترك التسليم لقضاء الله والخروج إلى ما يسخط الله جامع على نفسه محنتين : إحداهما ذهاب ما أصيب به ، والثانية ذهاب ثواب الصابرين فهو خسران الدارين . وقرئ خاسر الدنيا والآخرة بالنصب والرفع ، فالنصب على الحال والرفع على الفاعلية ، ووضع الظاهر موضع الضمير وهو وجه حسن أو على أنه خبر مبتدأ محذوف . أستعير ( الضلال البعيد ) من ضلال من أبعد في التيه ضالا فطالت وبعدت مسافة ضلالته . فإن قلت : الضرر والنفع منفيان عن الأصنام مثبتان لها في الآيتين وهذا تناقض . قلت : إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم ، وذلك أن الله تعالى سفه الكافر بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا ولا نفعا ، وهو يعتقد فيه بجهله وضلاله أنه يستنفع به حين يستشفع به ، ثم قال : يوم القيامة يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها ولا يرى أثر الشفاعة التي ادعاها لها ( لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ) أو كرر يدعو كأنه قال : يدعو من دون الله