ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزى ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق .
ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد . ومن الناس من يعبد الله على
حرف فإن اصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا
والآخرة ذلك هو الخسران المبين . يدعوا من دون الله مالا يضره ومالا ينفعه ذلك
هو الضلال العبيد . يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير .
إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار إن الله
يفعل ما يريد . من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب
إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ .
شرح
تعطفه ( ليضل ) تعليل للمجادلة . قرئ بضم الياء وفتحها . فإن قلت : ما كان غرضه من جداله الضلال ( عن سبيل
الله ) فكيف علل به وما كان أيضا مهتديا حتى إذا جادل خرج بالجدال من الهدى إلى الضلال . قلت : لما أدى
جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه ، ولما كان الهدى معرضا له فتركه وأعرض عنه وأقبل على الجدال بالباطل
جعل كالخارج من الهدى إلى الضلال . وخزيه : ما أصابه يوم بدر من الصغار والقتل . والسبب فيما منى به من
خزى الدنيا وعذاب الآخرة هو ما قدمت يداه وعدل الله في معاقبته الفجار وإثابته الصالحين ( على حرف ) على
طرف من الدين لا في وسطه وقلبه ، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة :
كالذي يكون على طرف من العسكر ، فإن أحس بظفر وغنيمة قر واطمأن وإلا فر وطار على وجهه . قالوا : نزلت
في أعاريب قدموا المدينة ، وكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا سريا وولدت امرأته غلاما سويا وكثر ماله
وماشيته قال : ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرا واطمأن ، وإن كان الامر بخلافه قال : ما أصبت إلا
شرا وانقلب . وعن أبي سعيد الخدري " أن رجلا من اليهود أسلم فأصابته مصائب فتشاءم بالاسلام ، فأتى النبي
صلى الله عليه وسلم فقال : أقلني ، فقال : إن الاسلام لا يقال ، فنزلت " . المصاب بالمحنة بترك التسليم لقضاء الله
والخروج إلى ما يسخط الله جامع على نفسه محنتين : إحداهما ذهاب ما أصيب به ، والثانية ذهاب ثواب الصابرين
فهو خسران الدارين . وقرئ خاسر الدنيا والآخرة بالنصب والرفع ، فالنصب على الحال والرفع على الفاعلية ،
ووضع الظاهر موضع الضمير وهو وجه حسن أو على أنه خبر مبتدأ محذوف . أستعير ( الضلال البعيد ) من
ضلال من أبعد في التيه ضالا فطالت وبعدت مسافة ضلالته . فإن قلت : الضرر والنفع منفيان عن الأصنام مثبتان
لها في الآيتين وهذا تناقض . قلت : إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم ، وذلك أن الله تعالى سفه الكافر بأنه يعبد
جمادا لا يملك ضرا ولا نفعا ، وهو يعتقد فيه بجهله وضلاله أنه يستنفع به حين يستشفع به ، ثم قال : يوم القيامة
يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها ولا يرى أثر الشفاعة التي
ادعاها لها ( لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ) أو كرر يدعو كأنه قال : يدعو من دون الله