تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم . والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين . والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين .
شرح
أولا ثم قدم عليها ثانيا ؟ قلت : سيقت تلك الآية بعقوبتهما على ما جنيا ، والمرأة هي المادة التي منها نشأت الجناية لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن ، فلما كانت أصلا وأولا في ذلك بدئ بذكرها وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح ، والرجل أصل فيه لأنه هو الراغب والحاطب ومنه يبدأ الطلب . وعن عمرو بن عبيد رضي الله عنه : لا ينكح بالجزم على النهى والمرفوع فيه أيضا معنى النهى ولكن أبلغ وآكد ، كما أن رحمك الله ويرحمك أبلغ من ليرحمك . ويجوز أن يكون خبرا محضا على معنى أن عادتهم جارية على ذلك ، وعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة ويتصون عنها . وقرئ وحرم بفتح الحاء . القذف يكون بالزنا وبغيره . والذي دل على أن المراد قذفهن بالزنا شيئان أحدهما : ذكر المحصنات عقيب الزواني والثاني اشتراط أربعة شهداء لان القذف بغير الزنا يكفي فيه شاهدان . والقذف بالزنا أن يقول الحر العاقل البالغ لمحصنة يا زانية ، أو لمحصن يا زاني يا ابن الزاني يا ابن الزانية يا ولد الزنا لست لأبيك لست لرشدة . والقذف بغير الزنا أن يقول يا آكل الربا يا شارب الخمر يا يهودي يا مجوسي يا فاسق يا خبيث يا ماص بظر أمه ، فعليه التعزير ولا يبلغ به أدنى حد العبيد وهو أربعون بل ينقص منه . وقال أبو يوسف : يجوز أن يبلغ به تسعة وسبعون وقال : للامام أن يعزر إلى المائة . وشروط إحصان القذف خمسة : الحرية والبلوغ ، والعقل ، والاسلام ، والعفة . وقرئ بأربعة شهداء بالتنوين وشهداء صفة . فإن قلت : كيف يشهدون مجتمعين أو متفرقين ؟ قلت : الواجب عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أن يحضروا في مجلس واحد ، وإن جاءوا متفرقين كانوا قذفة وعند الشافعي رضي الله عنه يجوز أن يحضروا متفرقين . فإن قلت : هي يجوز أن يكون زوج المقذوفة واحدا منهم ؟ قلت : بجوز عند أبي حنيفة خلافا للشافعي . فإن قلت : كيف يجلد القاذف ؟ قلت : كما جلد الزاني ، إلا أنه لا ينزع عنه من ثيابه إلا ما ينزع عن المرأة من الحشو والفرو والقاذفة أيضا كالزانية ، وأشد الضرب ضرب التعزير ثم ضرب الزنا ثم ضرب شرب الخمر ثم ضرب القاذف ، قالوا : لان سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب ، إلا أنه عوقب صيانة للاعراض وردعا عن هتكها . فإن قلت : فإذا لم يكن المقذوف محصنا ؟ قلت : يعزر القاذف ولا يحد إلا أن يكون المقذوف معروفا بما قذف به فلا حد ولا تعزير . رد شهادة القاذف معلق عند أبي حنيفة رضى الله عند باستيفاء الحد ، فإذا شهد به قبل الحد أو قبل تمام استيفائه قبلت شهادته ، فإذا استوفى لم تقبل شهادة أبدا وإن تاب وكان من الأبرار والأتقياء . وعند الشافعي رضي الله عنه : يتعلق رد شهادته بنفس القذف ، فإذا تاب عن القذف بأن رجع عنه عاد مقبول الشهادة ، وكلاهما متمسك بالآية . فأبو حنيفة رضي الله عنه جعل جزاء الشرط الذي هو الرمي الجلد ورد الشهادة عقيب الجلد على التأبيد ، فكانوا مردودي الشهادة عنده في أبدهم وهو مدة حياتهم وجعل قوله - وأولئك هم الفاسقون - كلاما مستأنفا غير داخل في حيز جزاء الشرط كأنه حكاية حال الرامين عند الله بعد انقضاء الجملة الشرطية ، و ( إلا الذين تابوا ) استثناء من الفاسقين ويدل عليه قوله ( فإن الله غفور رحيم ) والشافعي رضي الله عنه جعل
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 50 | الزمخشري