إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم . والذين يرمون أزواجهم
ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن
الصادقين . والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين .
شرح
أولا ثم قدم عليها ثانيا ؟ قلت : سيقت تلك الآية بعقوبتهما على ما جنيا ، والمرأة هي المادة التي منها نشأت الجناية
لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن ، فلما كانت أصلا وأولا في ذلك بدئ بذكرها
وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح ، والرجل أصل فيه لأنه هو الراغب والحاطب ومنه يبدأ الطلب . وعن عمرو بن
عبيد رضي الله عنه : لا ينكح بالجزم على النهى والمرفوع فيه أيضا معنى النهى ولكن أبلغ وآكد ، كما أن رحمك
الله ويرحمك أبلغ من ليرحمك . ويجوز أن يكون خبرا محضا على معنى أن عادتهم جارية على ذلك ، وعلى المؤمن أن
لا يدخل نفسه تحت هذه العادة ويتصون عنها . وقرئ وحرم بفتح الحاء . القذف يكون بالزنا وبغيره . والذي دل
على أن المراد قذفهن بالزنا شيئان أحدهما : ذكر المحصنات عقيب الزواني والثاني اشتراط أربعة شهداء لان القذف
بغير الزنا يكفي فيه شاهدان . والقذف بالزنا أن يقول الحر العاقل البالغ لمحصنة يا زانية ، أو لمحصن يا زاني يا ابن الزاني
يا ابن الزانية يا ولد الزنا لست لأبيك لست لرشدة . والقذف بغير الزنا أن يقول يا آكل الربا يا شارب الخمر
يا يهودي يا مجوسي يا فاسق يا خبيث يا ماص بظر أمه ، فعليه التعزير ولا يبلغ به أدنى حد العبيد وهو أربعون بل
ينقص منه . وقال أبو يوسف : يجوز أن يبلغ به تسعة وسبعون وقال : للامام أن يعزر إلى المائة . وشروط
إحصان القذف خمسة : الحرية والبلوغ ، والعقل ، والاسلام ، والعفة . وقرئ بأربعة شهداء بالتنوين وشهداء
صفة . فإن قلت : كيف يشهدون مجتمعين أو متفرقين ؟ قلت : الواجب عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم
أن يحضروا في مجلس واحد ، وإن جاءوا متفرقين كانوا قذفة وعند الشافعي رضي الله عنه يجوز أن يحضروا
متفرقين . فإن قلت : هي يجوز أن يكون زوج المقذوفة واحدا منهم ؟ قلت : بجوز عند أبي حنيفة خلافا للشافعي .
فإن قلت : كيف يجلد القاذف ؟ قلت : كما جلد الزاني ، إلا أنه لا ينزع عنه من ثيابه إلا ما ينزع عن المرأة من الحشو
والفرو والقاذفة أيضا كالزانية ، وأشد الضرب ضرب التعزير ثم ضرب الزنا ثم ضرب شرب الخمر ثم ضرب
القاذف ، قالوا : لان سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب ، إلا أنه عوقب صيانة للاعراض وردعا عن هتكها .
فإن قلت : فإذا لم يكن المقذوف محصنا ؟ قلت : يعزر القاذف ولا يحد إلا أن يكون المقذوف معروفا بما قذف
به فلا حد ولا تعزير . رد شهادة القاذف معلق عند أبي حنيفة رضى الله عند باستيفاء الحد ، فإذا شهد به قبل الحد
أو قبل تمام استيفائه قبلت شهادته ، فإذا استوفى لم تقبل شهادة أبدا وإن تاب وكان من الأبرار والأتقياء . وعند
الشافعي رضي الله عنه : يتعلق رد شهادته بنفس القذف ، فإذا تاب عن القذف بأن رجع عنه عاد مقبول الشهادة ،
وكلاهما متمسك بالآية . فأبو حنيفة رضي الله عنه جعل جزاء الشرط الذي هو الرمي الجلد ورد الشهادة عقيب
الجلد على التأبيد ، فكانوا مردودي الشهادة عنده في أبدهم وهو مدة حياتهم وجعل قوله - وأولئك هم الفاسقون -
كلاما مستأنفا غير داخل في حيز جزاء الشرط كأنه حكاية حال الرامين عند الله بعد انقضاء الجملة الشرطية ،
و ( إلا الذين تابوا ) استثناء من الفاسقين ويدل عليه قوله ( فإن الله غفور رحيم ) والشافعي رضي الله عنه جعل