ولا يكاد يبين * فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين
* فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين * فلما آسفونا انتقمنا منهم
فأغرقناهم أجمعين * فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ولما ضرب ابن مريم مثلا
إذا قومك منه يصدون * وقالوا أألهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم
شرح
الرجال من اللسن والفصاحة وكانت الأنبياء كلهم أبيناء بلغاء . وأراد بإلقاء الأسورة عليه إلقاء مقاليد الملك إليه
لأنهم كانوا إذا أرادوا تسويد الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب ( مقترنين ) إما مقترنين به من قولك
قرنته فاقترن به ، وإما من اقترنوا بمعنى تقارنوا ، لما وصف نفسه بالملك والعزة ووازن بينه وبين موسى صلوات
الله عليه فوصفه بالضعف وقلة الإعضاد اعترض فقال : هلا إن كان صادقا ملكه ربه وسوده وسوره وجعل
الملائكة أعضاده وأنصاره . وقرئ أساور جمع أسورة وأساوير جمع إسوار وهو السوار وأساورة على تعويض التاء
من ياء أساوير . وقرئ ألقى عليه أسورة وأساور على البناء للفاعل وهو الله عز وجل ( فاستخف قومه ) فاستفزهم
وحقيقته حملهم على أن يخفوا له ولما أراد منهم ، وكذلك استفز من قولهم للخفيف فز ( آسفونا ) منقول من أسف
أسفا إذا اشتد غضبه ، ومنه الحديث في موت الفجأة " رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر " ومعناه : أنهم أفرطوا
في المعاصي وعدوا طورهم فاستوجبوا أن نعجل لهم عذابنا وانتقامنا وأن لا نحلم عنهم . وقرئ سلفا جمع سالف
كخادم وخدم وسلفا بضمتين جمع سليف : أي فريق قد سلف وسلفا جمع سلفة : أي ثلة قد سلفت ، ومعناه :
فجعلناهم قدوة للآخرين من الكفار يقتدون بهم في استحقاق مثل عقابهم ونزوله بهم لإتيانهم بمثل أفعالهم ، وحديثا
عجيب الشأن سائرا مسير المثل يحدثون به ويقال لهم مثلكم مثل قوم فرعون . لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم
على قريش - إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم - امتعضوا من ذلك امتعاضا شديدا ، فقال عبد الله بن
الزبعرى : يا محمد أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم
فقال : خصمتك ورب الكعبة ، ألست تزعم أن عيسى بن مريم نبي وتثنى عليه خيرا وعلى أمه وقد علمت أن
النصارى يعبدونهما وعزير يعبد والملائكة يعبدون ، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا
معهم ، ففرحوا وضحكوا ، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى - إن الذين سبقت لهم منا الحسنى -
ونزلت هذه الآية ، والمعنى : ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى عيسى بن مريم مثلا وجادل رسول الله صلى الله
عليه وسلم بعبادة النصارى إياه ( إذا قومك ) قريش من هذا المثل ( يصدون ) ترتفع لهم جلبة وضجيج فرحا وجذلا
وضحكا بما سمعوا منه من إسكات رسول الله صلى الله عليه وسلم بجدله كما يرتفع لغط القوم ولجبهم إذا تعيوا بحجة
ثم فتحت عليهم . وأما من قرأ يصدون بالضم فمن الصدود : أي من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون
عنه . وقيل من الصديد وهو الجلبة وأنهما لغتان نحو يعكف ويعكف ونظائر لهما ( وقالوا آلهتنا خير أم هو )
يعنون أن آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى ، وإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا هينا ( ما ضربوه )
أي ما ضربوا هذا المثل ( لك إلا جدلا ) إلا لأجل الجدل والغلبة في القول لا لطلب الميز بين الحق والباطل ( بل هم