* أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون * بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على
أمة وإنا على آثارهم مهتدون * وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير
إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون * قال أو لو جئتكم
بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون * فانتقمنا منهم
فانظر كيف كان عاقبة المكذبين * وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما
تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين * وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم
شرح
إن الملائكة بنات الله من علم إن هم إلا يخرصون في ذلك القول لا في تعليق عبادتهم بمشيئة الله ؟ قلت : تمحل مبطل
وتحريف مكابر ونحوه قوله تعالى - سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ
كذلك كذب الذين من قبلهم - الضمير في ( من قبله ) للقرآن أو الرسول ، والمعنى : أنهم ألصقوا عبادة غير الله
بمشيئة الله قولا قالوه غير مستند إلى علم ، ثم قال : أم آتيناهم كتابا قبل هذا الكتاب نسبنا فيه الكفر والقبائح إلينا
فحصل لهم علم بذلك من جهة الوحي فاستمسكوا بذلك الكتاب واحتجوا به ، بل لا حجة لهم يستمسكون بها إلا
قولهم ( إنا وجدنا آباءنا على أمة ) على دين ، وقرئ على إمة بالكسر وكلتاهما من الأم وهو القصد ، فالأمة :
الطريقة التي تؤم : أي تقصد كالرحلة للمرحول إليه ، والأمة : الحالة التي يكون عليها الآم وهو القاصد ، وقيل
على نعمة وحالة حسنة ( على آثارهم مهتدون ) خبر إن أو الظرف صلة لمهتدون ( مترفوها ) الذين أترفتهم النعمة :
أي أبطرتهم فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي ويعافون مشاق الدين وتكاليفه . قرئ قل وقال وجئتكم وجئناكم :
يعنى أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم . قالوا إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفك عنه وإن جئتنا
بما هو أهدى وأهدى . قرئ براء بفتح الباء وضمها وبرئ فبرئ وبراء نحو كريم وكرام وبراء مصدر كظماء ولذلك
استوى فيه الواحد والاثنان والجماعة والمذكر والمؤنث ، يقال نحن البراء منك والخلاء منك ( الذي فطرني ) فيه
غير وجه أن يكون منصوبا على أنه استثناء منقطع كأنه قال : لكن الذي فطرني فإنه سيهدين ، وأن يكون مجرورا
بدلا من المجرور بمن كأنه قال : إنني براء مما تعبدون إلا من الذي فطرني . فإن قلت : كيف تجعله بدلا وليس من
جنس ما يعبدون من وجهين : أحدهما أن ذات الله مخالفة لجميع الذوات فكانت مخالفة لذوات ما يعبدون . والثاني
أن الله تعالى غير معبود بينهم والأوثان معبودة ؟ قلت : قالوا كانوا يعبدون الله مع أوثانهم وأن تكون إلا صفة
بمعنى غير على أن " ما " في ما تعبدون موصوفة تقديره إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني فهو نظير قوله
تعالى - لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا - فإن قلت : ما معنى قوله ( سيهدين ) على التسويف ؟ قلت : قال مرة فهو
يهدين ومرة فإنه سيهدين ، فأجمع بينهما وقدر كأنه قال : فهو يهدين وسيهدين ، فيدلان على استمرار الهداية في
الحال والاستقبال ( وجعلها ) وجعل إبراهيم صلوات الله عليه كلمة التوحيد التي تكلم بها وهى قوله - إنني براء مما
تعبدون إلا الذي فطرني - ( كلمة باقية في عقبه ) في ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده . لعل
من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم ، ونحوه - ووصى بها إبراهيم بنيه - وقيل جعلها الله . وقرئ كلمة على