من محيص * فما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين
آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش وإذا ما غضبوا
هم يغفرون * والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما
شرح
قلت : أما الجزم فعلى ظاهر العطف ، وأما الرفع فعلى الاستئناف ، وأما النصب فللعطف على تعليل محذوف
تقديره لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون ، ونحوه في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن منه قوله تعالى
- ولنجعله آية للناس - وقوله تعالى - وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت - وأما
قول الزجاج النصب على إضمار إن لأن قبلها جزاء تقول ما تصنح أصنع مثله وأكرمك ، وإن شئت وأكرمك على
وأنا أكرمك ، وإن شئت وأكرمك جزما ، ففيه نظر لما أورده سيبويه في كتابه قال : واعلم أن النصب بالفاء
والواو في قوله إن تأتني آتك وأعطيك ضعيف وهو نحو من قوله * وألحق بالحجاز فأستريحا * فهذا يجوز
وليس بحد الكلام ولا وجهه إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلا لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أن يكون من الأول
فعل ، فلما ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه اه . ولا يجوز أن تحمل القراءة
المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحد الكلام ولا وجهه ، ولو كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها كتابه ،
وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة . فإن قلت : : فكيف يصح المعنى على جزم ويعلم ؟ قلت : كأنه قال :
إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور : هلاك قوم ، ونجاة قوم ، وتحذير آخرين ( من محيص ) من محيد عن عقابه .
ما الأولى ضمنت معنى الشرط فجاء الفاء على جوابها بخلاف الثانية . عن علي رضي الله عنه : اجتمع لأبى بكر
رضي الله عنه مال فتصدق به كله في سبيل الله والخير ، فلامه المسلمون وخطأه الكافرون ، فنزلت ( والذين
يحتنبون ) عطف على الذين آمنوا وكذلك ما بعده ، ومعنى ( كبائر الإثم ) الكبائر من هذا الجنس ، وقرئ كبير
الإثم . وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : كبير الإثم هو الشرك ( هم يغفرون ) أي هم الأخصاء بالغفران
في حال الغضب لا يغول الغضب أحلامهم كما يغول حلوم الناس والمجئ بهم وإيقاعه متدأ وإسناد يغفرون إليه لهذه
الفائدة ، ومثله هم ينتصرون ( والذين استجابوا لربهم ) نزلت في الأنصار دعاهم الله عز وجل للإيمان به وطاعته
فاستجابوا له بأن آمنوا به وأطاعوه ( وأقاموا الصلاة ) وأتموا الصلوات الخمس . وكانوا قبل الإسلام وقبل مقدم
رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة إذا كان بهم أمر اجتمعوا وتشاوروا فأثنى الله عليهم : أي لا ينفردون برأي
حتى يجتمعوا عليه . وعن الحسن : ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم . والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور ،
ومعنى قوله ( وأمرهم شورى بينهم ) أي ذو شورى ، وكذلك قولهم ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن
الخطاب رضي الله عنه الخلافة شورى . هو أن يقتصروا في الانتصار على ما جعله الله لهم ولا يعتدوا . وعن النخعي
أنه كان إذا قرأها قال : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق . فإن قلت أهم محمودون على