* وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون * ويستجيب
الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد
* ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده
خبير بصير * وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو
شرح
وتوبتك تحتاج إلى التوبة ، فقال : يا أمير المؤمنين وما التوبة ؟ قال : اسم يقع على ستة معان : على الماضي من
الذنوب الندامة ، ولتضييع الفرائض الإعادة ، ورد المظالم ، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية ، وإذاقة
النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية ، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته ( ويعفو عن السيئات ) عن
الكبائر إذا تيب عنها ، وعن الصغائر إذا اجتنبت الكبائر ( ويعلم ما يفعلون ) قرئ بالتاء والياء : أي يعلمه فيثيب
على حسناته ويعاقب على سيئاته ( ويستجيب الذين آمنوا ) أي يستجيب لهم فحذف اللام كما حذف في قوله تعالى
- وإذا كالوهم - أي يثيبهم على طاعتهم ويزيدهم على الثواب تفضلا ، أو إذا دعوه استجاب دعاءهم وأعطاهم
ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم . وقيل الاستجابة فعلهم : أي يستجيبون له بالطاعة إذا دعاهم إليها ( ويزيدهم ) هو
( من فضله ) على ثوابهم . وعن سعيد بن جبير : هذا من فعلهم يجيبونه إذا دعاهم . وعن إبراهيم بن أدهم أنه
قيل له : ما بالنا ندعو فلا نجاب ؟ قال : لأنه دعاكم فلم تجيبوه ، ثم قرأ - والله يدعو إلى دار السلام - ويستجيب
الذين آمنوا ( لبغوا ) من البغى وهو الظلم : أي لبغى هذا على ذاك وذاك على هذا ، لأن الغنى مبطرة مأشرة وكفى بحال
قارون عبرة ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها " ولبعض العرب :
وقد جعل الموسمى ينبت بيننا * وبين بنى رومان نبعا وشوحطا
يعنى أنهم أحيوا فحدثوا أنفسهم بالبغي والتفاتن ، أو من البغى وهو البذخ والكبر : أي لتكبروا في الأرض
وفعلوا ما يتبع الكبر من العلو فيها والفساد . وقيل نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى . قال خباب
ابن الأرت : فينا نزلت وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبنى قينقاع فتمنيناها ( بقدر ) بتقدير يقال
قدره قدرا وقدرا ( خبير بصير ) يعرف ما يؤول إليه أحوالهم فيقدر لهم ما هو أصلح لهم وأقرب إلى جمع شملهم فيفقر
ويغنى ويمنع ويعطى ويقبض ويبسط كما توجبه الحكمة الربانية ، ولو أغناهم جميعا لبغوا ولو أفقرهم لهلكوا . فإن
قلت : قد ترى الناس يبغي بعضهم على بعض ومنهم مبسوط لهم ومنهم مقبوض عنهم ، فإن كان المبسوط لهم يبغون
فلم بسط لهم ، وإن كان المقبوض عنهم يبغون فقد يكون البغى بدون البسط فلم شرطه ؟ قلت : لا شبهة في أن البغى
مع الفقر أقل ومع البسط أكثر وأغلب ، وكلاهما سبب ظاهر للإقدام على البغى والإحجام عنه ، فلو عم البسط
لغلب البغى حتى ينقلب الأمر إلى عكس ما عليه الآن . قرئ قنطوا بفتح النون وكسرها ( وينشر رحمته ) أي بركات
الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب . وعن عمر رضي الله عنه أنه قيل له : اشتد القحط وقنط الناس ، فقال :
مطروا إذا أراد هذه الآية . ويجوز أن يريد رحمته في كل شئ كأنه قال : ينزل الرحمة التي هي الغيث وينشر غيرها