إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى
فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم
بوكيل * الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي
لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت
ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات
لقوم يتفكرون * أم اتخذوا من دون الله شفعاء
قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون
* قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون
شرح
مثل مقيم في وقوعه صفة لعذاب : أي عذاب مخز له وهو يوم بدر وعذاب دائم وهو عذاب النار . وقرئ
مكاناتكم ( للناس ) لأجلهم ولأجل حاجتهم إليه ليبشروا وينذروا فتقوى دواعيهم إلى اختيار الطاعة على المعصية
ولا حاجة إلى ذلك فأنا الغنى ، فمن اختار الهدى فقد نفع نفسه ومن اختار الضلالة فقد ضرها . وما وكلت عليهم
لتجبرهم على الهدى فإن التكليف مبنى على الاختيار دون الإجبار ( الأنفس ) الجمل كما هي . وتوفيها إماتتها وهو
أن يسلب ما هي به حية حساسة دراكة من صحة أجزائها وسلامتها لأنها عند سلب الصحة كأن ذاتها قد سلبت ( والتي
لم تمت في منامها ) يريد ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها : أي يتوفاها حين تنام تشبيها للنائمين بالموتى ، ومنه
قوله تعالى - وهو الذي يتوفاكم بالليل - حيث لا يميزون ولا يتصرفون كما أن الموتى كذلك ( فيمسك )
الأنفس ( التي قضى عليها الموت ) الحقيقي : أي لا يردها في وقتها حية ( ويرسل الأخرى ) النائمة ( إلى أجل مسمى )
إلى وقت ضربه لموتها . وقيل يتوفى الأنفس يستوفيها ويقبضها وهى الأنفس التي تكون معها الحياة والحركة ،
ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها وهى أنفس التمييز ، قالوا : فالتي تتوفى في النوم هي نفس التمييز لا نفس
الحياة لأن نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس والنائم يتنفس . ورووا عن ابن عباس رضي الله عنهما : في ابن
آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس ، فالنفس التي بها العقل والتمييز والروح التي بها النفس والتحرك ، فإذا
نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه . والصحيح ما ذكرت أولا لأن الله عز وعلا علق التوفي والموت والمنام
جميعا بالأنفس وما عنوا بنفس الحياة والحركة ونفس العقل والتمييز غير متصف بالموت والنوم ، وإنما الجملة هي
التي تموت وهى التي تنام ( إن في ذلك ) إن في توفى الأنفس مائتة ونائمة وإمساكها وإرسالها إلى أجل لآيات على
قدرة الله وعلمه لقوم يجيلون فيه أفكارهم ويعتبرون . وقرئ قضى عليها الموت على البناء للمفعول ( أم اتخذوا )
بل اتخذ قريش ، والهمزة للإنكار ( من دون الله ) من دون إذنه ( شفعاء ) حين قالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله
ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ، ألا ترى إلى قوله تعالى ( قل لله الشفاعة جميعا ) أي هو مالكها فلا يستطيع أحد
شفاعة إلا بشرطين : أن يكون المشفوع له مرتضى وأن يكون الشفيع مأذونا له ، وههنا الشرطان مفقودان جميعا ( أو
لو كانوا ) معناه : أيشفعون ولو كانوا ( لا يملكون شيئا ولا يعقلون ) أي ولو كانوا على هذه الصفة لا يملكون شيئا
قط حتى يملكوا الشفاعة ولا عقل لهم ( له ملك السماوات والأرض ) تقرير لقوله تعالى - لله الشفاعة جميعا - لأنه
إذا كان له الملك كله والشفاعة من الملك كان مالكا لها . فإن قلت : بم يتصل قوله ( ثم إليه ترجعون ) ؟