ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير * قل من يرزقكم من السماوات
والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين * قل لا تسألون
عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق
وهو الفتاح العليم
شرح
عن قلوبهم : أي كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الاذن
تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضا ( ماذا قال ربكم ؟ قالوا ) قال ( الحق ) أي القول الحق وهو الاذن
بالشفاعة لمن ارتضى . وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم : فإذا أذن لمن أذن أن يشفع
فزعته الشفاعة . وقرئ أذن له : أي أذن له الله وأذن له على البناء للمفعول . وقرأ الحسن فزع مخففا بمعنى فزع .
وقرئ فزع على البناء للفاعل وهو الله وحده وفرغ : أي نفى الوجل عنها وأفنى من قولهم فرغ الزاد إذا لم يبق منه
شئ ، ثم ترك ذكر الوجل وأسند إلى الجار والمجرور كما تقول دفع إلى زيد إذا علم ما المدفوع وقد تخفف ، وأصله
فرغ الوجل عنها : أي انتفى عنها وفنى ، ثم حذف الفاعل وأسند إلى الجار والمجرور . وقرئ افرنقع عن قلوبهم
بمعنى انكشف عنها . وعن أبي علقمة : أنه هاج به المرار فالتف عليه الناس ، فلما أفاق قال : ما لكم تكأكأتم علي
تكأكؤكم على ذي جنة افرنقوا عني . والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين كما ركب اقمطر من
حروف القمط مع زيادة الراء . وقرئ الحق بالرفع أي مقولة الحق ( وهو العلي الكبير ) ذو العلو والكبرياء ليس
لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه وأن يشفع إلا لمن ارتضى أمره بأن يقررهم بقوله ( من يرزقكم ) ثم أمره
بأن يتولى الإجابة والاقرار عنهم بقوله يرزكم الله وذلك للاشعار بأنهم مقرون به بقلوبهم ، إلا أنهم ربما أبوا
أن يتكلموا به لان الذي تمكن في صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق مع علمهم
بصحته ، ولأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم : فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من
لا يقدر على الرزق ؟ ألا ترى إلى قوله - قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والابصار حتى قال
فسيقولون الله - ثم قال - فماذا بعد الحق إلا الضلال - فكأنهم كانوا يقرون بألسنتهم مرة ومرة كانوا يتلعثمون عنادا
وضرارا وحذارا من إلزام الحجة ، ونحوه قوله عز وجل - قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من
دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا - وأمره أن يقول لهم بعد الالزام والالجام الذي إن لم يزد على إقرارهم
بألسنتهم لم يتقاصر عنه ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) ومعناه : وإن أحد الفريقين من الذين