فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط
وأثل وشئ من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور * وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة
شرح
يعني هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره . وعن ابن
عباس رضي الله عنهما : كانت أخصب البلاد وأطيبها ، وتخرج المرأة وعلى رأسها المكتل فتعمل بيديها وتسير بين
تلك الشجر فيمتلئ المكتل بما يتساقط فيه من الثمر طيبة لم تكن سبخة . وقيل لم يكن فيها بعوض ولا ذباب ولا
برغوث ولا عقرب ولا حية . وقرئ بلدة طيبة وربا غفورا بالنصب على المدح . وعن ثعلب : معناه أسكن وأعبد
( العرم ) الجرذ الذي نقب عليهم السكر ، ضربت لهم بلقيس الملكة بسد ما بين الجبلين بالصخر والقار ، فحقنت
به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقا على مقدار ما يحتاجون إليه في سقيهم ، فلما طغوا قيل بعث الله إليهم
ثلاثة عشر نبيا يدعونهم إلى الله ويذكرونهم نعمته عليهم ، فكذبوهم وقالوا ما نعرف لله نعمة ، سلط الله على سدهم
الخلد فنقبه من أسفله فغرقهم . وقيل العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركومة ، ويقال للكديس من الطعام عرمة ،
والمراد المسناة التي عقدوها سكرا . وقيل العرم اسم الوادي . وقيل العرم المطر الشديد . وقرئ العرم بسكون الراء .
وعن الضحاك : كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم . وقرئ أكل بالضم والسكون وبالتنوين
والإضافة والاكل الثمر . والخمط : شجر الأراك . وعن أبي عبيدة : كل شجر ذي شوك : وقال الزجاج : كل
نبت أخذ طعما من مرارة حتى لا يمكن أكله . والأثل : شجر يشبه الطرفاء أعظم منه وأجود عودا ، ووجه من نون
أصله ذواتي أكل أكل خمط فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، أو وصف الاكل بالخط كأنه قيل ذواتي
أكل بشع ، ومن أضاف وهو أبو عمرو وحده فلأن أكل الخط في معنى البرير كأنه قيل ذواتي برير ، والأثل
والسدر معطوفان على أكل لا على خمط لان الأثل لا أكل له . وقرئ وأثلا وشيئا بالنصب عطفا على جنتين ،
وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة وفيه ضرب من التهكم . وعن الحسن رحمه الله : قلل السدر لأنه أكرم ما بدلوا .
وقرئ وهل يجازى وهل نجازى بالنون وهل يجازى والفاعل الله وحده وهل يجزى ، والمعنى : أن مثل هذا الجزاء
لا يستحقه إلا الكافر وهو العقاب العاجل . وقيل المؤمن تكفر سيئاته بحسناته ، والكافر يحبط عمله فيجازى بجميع
ما عمله من السوء . ووجه آخر وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة ، يستعمل تارة في معنى المعاقبة وأخرى في معنى
الإثابة ، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله - جزيناهم بما كفروا - بمعنى عاقبناهم بكفرهم قيل وهل يجازى إلا
الكفور ؟ بمعنى : وهل يعاقب ، وهو الوجه الصحيح . وليس لقائل أن يقول : لم قيل وهل يجازى إلا الكفور
على اختصاص الكفور بالجزاء عام للكافر والمؤمن ، لأنه لم يرد الجزاء العام وإنما أراد الخاص وهو العقاب ،
بل لا يجوز أن يراد العموم وليس بموضعه ، ألا ترى أنك لو قلت جزيناهم بما كفروا وهل يجازى إلا الكافر
والمؤمن لم يصح ولم يسد كلامه ، فتبين أن ما يتخيل من السؤال مضمحل وأن الصحيح الذي لا يجوز غيره ما جاء
عليه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ( القرى التي باركنا فيها ) هي قرى الشام ( قرى ظاهرة )
متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها فهي ظاهرة لاعين الناظرين ، أو راكبة متن الطريق ظاهرة للسابلة لم تبعد