قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم .
شرح
يوحدون الرازق من السماوات والأرض بالعبادة ومن الذين يشركون به الجماد الذي لا يوصف بالقدرة لعلى أحد
الامرين من الهدى والضلال ، وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به :
قد أنصفك صاحبك ، وفي درجة بعد تقدمة ما قدم من التقرير البليغ دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على
الهدى ومن هو في الضلال المبين ، ولكن التعريض والتورية أنضل بالمجادل إلى الغرض وأهجم به على الغلبة مع قلة
شغب الخصم وفل شوكته بالهوينا ، ونحوه قول الرجل لصاحبه : علم الله الصادق منى ومنك وأن أحدنا لكاذب ،
ومنه بيت حسان :
أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء
فإن قلت : كيف خولف بين حرفي الجر الداخلين على الحق والضلال ؟ قلت : لان صاحب الحق كأنه
مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء ، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يدرى أن يتوجه .
وفي قراءة أبي : وإنا أو إياكم إما على هدى أو في ضلال مبين . هذا أدخل في الإنصاف وأبلغ فيه من الأول حيث
أسند الاجرام إلى المخاطبين والعمل إلى المخاطبين ، وإن أراد بالاجرام الصغائر والزلات التي لا يخلو منها مؤمن
وبالعمل الكفر والمعاصي العظام وفتح الله بينهم . وهو حكمه وفصله أنه يدخل هؤلاء الجنة وأولئك النار . فإن
قلت : ما معنى قوله ( أروني ) وكان يراهم ويعرفهم ؟ قلت : أراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء
بالله وأن يقايس على أعينهم بينه وبين أصنامهم ليطلعهم على إحالة القياس إليه والاشراك به ، و ( كلا ) ردع لهم
عن مذهبهم بعد ما كسده بإبطال المقايسة كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام - أف لكم ولما تعبدون من دون الله -
بعد ما حجهم ، وقد نبه على تفاحش غلطهم وإن لم يقدروا الله حق قدره بقوله ( هو الله العزيز الحكيم ) كأنه قال :