أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير * قل سيروا في
الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شئ
قدير * يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه
شرح
يروا بالياء والتاء ويبدئ ويبدأ ، وقوله ( ثم يعيده ) ليس بمعطوف على يبدئ وليست الرؤية واقعة عليه ، وإنما هو
إخبار على حياله بالإعادة بعد الموت كما وقع النظر في قوله تعالى - فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة
الآخرة - على البدء دون الانشاء ونحوه قولك : ما زلت أوثر فلانا وأستخلفه على من أخلفه . فإن قلت : هو
معطوف بحرف العطف فلابد له من معطوف عليه فما هو ؟ قلت : هو جملة قوله - أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق -
وكذلك واستخلفه معطوف على جملة قوله ما زلت أوثر فلانا ( ذلك ) يرجع إلى ما يرجع إليه هو في قوله - وهو
أهون عليه - من معنى يعيد . دل بقوله ( النشأة الآخرة ) على أنهما نشأتان وأن كل واحدة منهما إنشاء : أي ابتداء
واختراع وإخراج من العدم إلى الوجود لا تفاوت بينهما ، إلا أن الآخرة إنشاء بعد إنشاء مثله والأولى ليست كذلك .
وقرئ النشأة والنساءة كالرأفة والرآفة . فإن قلت : ما معنى الافصاح باسمه مع إيقاعه مبتدأ في قوله - ثم الله ينشئ
النشأة الآخرة - بعد إضماره في قوله - كيف بدأ الخلق - وكان القياس أن يقال : كيف بدأ الله الخلق ثم ينشئ النشأة
الآخرة ؟ قلت : الكلام معهم كان واقعا في الإعادة وفيها كانت تصطك الركب ، فلما قررهم في الابداء بأنه من
الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الابداء ، فإذا كان الله الذي لا يعجزه شئ هو الذي لم يعجزه الابداء فهو
الذي وجب أن لا تعجزه الإعادة ، فكأنه قال : ثم ذاك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشئ النشأة الآخرة ،
فللدلالة والتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ ( يعذب من يشاء ) تعذيبه ( ويرحم من يشاء ) رحمته ومتعلق