تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين . فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون . وتوكل
شرح
فكذبوا بأن ذلك مما لا يتسهل للشياطين ولا يقدرون عليه لأنهم مرجومون بالشهب معزولون عن استماع كلام أهل السماء . وقرأ الحسن الشياطون ؟ ووجهه أنه رأى آخره كآخر يبرين وفلسطين ، فتخير بين أن يجرى الإعراب على النون وبين أن يجريه على ما قبله فيقول الشياطين والشياطون ، كما تخيرت العرب بين أن يقولوا هذه يبرون ويبرين وفلسطون وفلسطين ، وحقه أن تشتقه من الشيطوطة وهى الهلاك كما قيل له الباطل . وعن الفراء : غلط الشيخ في قراءته الشياطون ظن أنها النون التي على هجاءين ، فقال النضر بن شميل : إن جاز أن يحتج بقول العجاج ورؤبة فهلا جاز أن يحتج بقول الحسن وصاحبه ؟ يريد محمد بن السميفع مع أنا نعلم أنهما لم يقرا به إلا وقد سمعا فيه قد علم أن ذلك لا يكون ، ولكنه أراد أن يحرك منه لازدياد الإخلاص والتقوى . وفيه لطف لسائر المكلفين كما قال - ولو تقول علينا بعض الأقاويل - فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك - فيه وجهان : أحدها أن يؤمر بإنذار الأقرب فالأقرب من قومه ، ويبدأ في ذلك بمن هو أولى بالبداءة ثم بمن يليه وأن يقدم إنذارهم على إنذار غيرهم كما روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما دخل مكة قال " كل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين وأول ما أضعه ربا العباس " والثاني أن يؤمر بأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة ولا يجابيهم في الإنذار والتخويف . وروى " أنه صعد الصفا لما نزلت فنادى الأقرب فالأقرب فخذا فخذا ، وقال : يا بنى عبد المطلب يا بني هاشم يا بنى عبد مناف يا عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله إني لا أملك لكم من الله شيئا ، سلوني من مالي ما شئتم " وروى " أنه جمع بنى عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا ، الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس على رجل شاة وقعب من لبن ، فأكلوا وشربوا حتى صدروا ، ثم أنذرهم فقال : يا بنى عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقي ؟ قالوا نعم ، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " وروى " أنه قال : يا بنى عبد المطلب يا بني هاشم يا بنى عبد مناف افتدوا أنفسكم من النار فإني لا أغنى عنكم شيئا ، ثم قال : يا عائشة بنت أبي بكر ويا حفصة بنت عمر ويا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمة محمد اشترين أنفسكم من النار فإني لا أغنى عنكن شيئا " الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه ، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه ، فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع ولين الجانب ، ومنه قول بعضهم : وأنت الشهير بخفض الجناح * فلا تك في رفعه أجدلا ينهاه عن التكبر بعد التواضع . فإن قلت : المتبعون للرسول هم المؤمنون والمؤمنون هم المتبعون للرسول فما قوله ( لمن اتبعك من المؤمنين ) ؟ قلت : فيه وجهان : أن يسميهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك ، وأن يريد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم وهم صنفان : صنف صدق واتبع رسول الله فيما جاء به ، وصنف ما وجد منه إلا التصدق فحسب ، ثم إما أن يكونوا منافقين أو فاسقين ، والمنافق والفاسق لا يخفض لهما الجناح ، والمعنى من المؤمنين من عشيرتك وغيرهم : يعنى أنذر قومك فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك ، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من الشرك بالله وغيره ( وتوكل ) على الله يكفك شر من يعصيك منهم ومن غيرهم ،
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 131 | الزمخشري