أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل . ولو نزلناه على بعض الأعجمين .
فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين . كذلك سلكناه في قلوب المجرمين . لا يؤمنون به
حتى يروا العذاب الأليم .
شرح
وأنه معجز لا يعارض بكلام مثله . وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتب المنزلة قبله على أن البشارة بإنزاله
وتحلية المنزل عليه وصفته في كتبهم وقد تضمنت معانيه وقصصه ، وصح بذلك أنها من عند الله وليست بأساطير
كما زعموا فلم يؤمنوا به وجحدوه وسموه شعرا تارة وسحرا أخرى وقالوا هو من تلفيق محمد وافترائه ( ولو نزلناه على
بعض ) الأعاجم الذي لا يحسن العربية فضلا أن يقدر على نظم مثله ( فقرأه عليهم ) هكذا فصيحا معجزا متحدي به
لكفروا به كما كفروا ولتمحلوا لجحودهم عذرا ولسموه سحرا ، ثم قال ( كذلك سلكناه ) أي مثل هذا السلك سلكناه
في قلوبهم وهكذا مكناه وقررناه فيها ، وعلى مثل هذه الحال وهذه الصفة من الكفر به والتكذيب له وضعناه فيها ،
فكيفما فعل بهم وصنع على أي وجه دبر أمرهم فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من جحوده وإنكاره كما قال
- ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين - فإن قلت : كيف أسند
السلك بصفة التكذيب إلى ذاته ؟ قلت : أراد به الدلالة على تمكنه مكذبا في قلوبهم أشد التمكن وأثبته فجعله بمنزلة
أمر قد جبلوا عليه وفطروا ، ألا ترى إلى قولهم هو مجبول على الشح يريدون تمكن الشح فيه لأن الأمور الخلقية
أثبت من العارضة ، والدليل عليه أنه أسند ترك الإيمان به إليهم على عقبه وهو قوله - لا يؤمنون به - . فإن قلت :
ما موقع ( لا يؤمنون به ) من قوله - سلكناه في قلوب المجرمين - ؟ قلت : موقعه منه موقع الموضح والمخلص لأنه
مسوق لثباته مكذبا مجحودا في قلوبهم فاتبع ما يقرر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به وجحوده حتى
يعاينوا الوعيد ، ويجوز أن يكون حالا : أي سلكناه فيها غير مؤمن به . وقرأ الحسن فتأتيهم بالتاء : يعنى الساعة ،
وبغتة بالتحريك ، وفى حرف أبى ويروه بغتة ، فإن قلت : ما معنى التعقيب في قوله - فيأتيهم بغتة فيقولوا - ؟
قلت : ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة فيه في الوجود ، وإنما المعنى ترتبها وفى الشدة كأنه
قيل لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم للعذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة فما هو أشد منه وهو