تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون . قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون . فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين .
شرح
تعالى - فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا - حيث اقتصر على ذكر طرفي القصة أولها وآخرها وهما الإنذار والتدمير ، ودل بذكرهما على ما هو الغرض من القصة الطويلة كلها ، وهو أنهم قوم كذبوا بآيات الله فأراد الله إلزام الحجة عليهم فبعث إليهم رسولين فكذبوهما فأهلكهم . فإن قلت : كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يأمره الله بأمر فلا يتقبله بسمع وطاعة من غير توقف وتشبث بعلل وقد علم أن الله من ورائه ؟ قلت : قد امتثل وتقبل ولكنه التمس من ربه أن يعضده بأخيه حتى يتعاونا على تنفيذ أمره وتبليغ رسالته ، فمهد قبل التماسه عذره فيما التمسه ، ثم التمس بعد ذلك ، وتمهيد العذر في التماس المعين على تنفيذ الأمر ليس بتوقف في امتثال الأمر ولا بتعلل فيه ، وكفى بطلب العون دليلا على التقبل لا على التعليل . أراد بالذنب قتله القبطي . وقيل كان خباز فرعون واسمه فاتون : يعنى ولهم على تبعة ذنب وهى قود ذلك القتل فأخاف أن يقتلوني به ، فحذف المضاف ، أو سمى تبعة الذنب ذنبا كما سمى جزاء السيئة سيئة . فإن قلت : قد أبيت أن تكون تلك الثلاث عللا وجعلتها تمهيدا للعذر فيما التمسه فما قولك في هذه الرابعة ؟ قلت : هذه استدفاع للبلية المتوقعة ، وفرق من أن يقتل قبل أداء الرسالة فكيف يكون تعللا ، والدليل عليه ما جاء بعده من كلمة الردع والموعد بالكلاءة والدفع . جمع الله له الاستجابتين معا في قوله ( كلا فاذهبا ) لأنه استدفعه بلاءهم فوعده الدفع بردعه عن الخوف ، والتمس منه الموازرة بأخيه فأجابه بقوله اذهبا ، أي اذهب أنت والذي طلبته وهو هارون ، فإن قلت : علام عطف قوله فاذهبا ؟ قلت : على الفعل الذي يدل عليه كلا ، كأنه قيل : ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون ، وقوله ( معكم مستمعون ) من مجاز الكلام يريد : أنا لكما ولعدو كما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجرى بينكما وبينه فأظهر كما وغلبكما وكسر شوكته عنكما ونكسه . ويجوز أن يكونا خبرين لأن ، أو يكون مستمعون مستقرا ومعكم لغوا . فإن قلت : لم جعلت مستمعون قرينة معكم في كونه من باب المجاز والله تعالى يوصف على الحقيقة بأنه سميع وسامع ؟ قلت : ولكن لا يوصف بالمستمع على الحقيقة لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء ، والاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية ومنه قوله تعالى - قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا - ويقال استمع إلى حديثه وسمع حديثه : أي أصغى إليه وأدركه بحاسة السمع ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه البرم " فإن قلت : هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله - إنا رسولا ربك - ؟ قلت : الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة ، فجعل ثم بمعنى المرسل فلم يكن بد من تثنيته ، وجعل ههنا بمعنى الرسالة فجازت التسوية فيه ، إذ وصف به بين الواحد والتثنية والجمع كما يفعل بالصفة بالمصادر نحو صوم وزور ، قال ألكني إليها وخير الرسول * أعلمهم بنواحي الخبر فجعله للجماعة والشاهد في الرسول بمعنى الرسالة قوله : لقد كذب الواشون ما فهت عندهم * بسر ولا أرسلتهم برسول