ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون . قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون .
فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين .
شرح
تعالى - فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا - حيث اقتصر على ذكر طرفي القصة أولها وآخرها
وهما الإنذار والتدمير ، ودل بذكرهما على ما هو الغرض من القصة الطويلة كلها ، وهو أنهم قوم كذبوا بآيات الله
فأراد الله إلزام الحجة عليهم فبعث إليهم رسولين فكذبوهما فأهلكهم . فإن قلت : كيف ساغ لموسى عليه السلام
أن يأمره الله بأمر فلا يتقبله بسمع وطاعة من غير توقف وتشبث بعلل وقد علم أن الله من ورائه ؟ قلت : قد امتثل
وتقبل ولكنه التمس من ربه أن يعضده بأخيه حتى يتعاونا على تنفيذ أمره وتبليغ رسالته ، فمهد قبل التماسه عذره فيما
التمسه ، ثم التمس بعد ذلك ، وتمهيد العذر في التماس المعين على تنفيذ الأمر ليس بتوقف في امتثال الأمر ولا بتعلل
فيه ، وكفى بطلب العون دليلا على التقبل لا على التعليل . أراد بالذنب قتله القبطي . وقيل كان خباز فرعون واسمه
فاتون : يعنى ولهم على تبعة ذنب وهى قود ذلك القتل فأخاف أن يقتلوني به ، فحذف المضاف ، أو سمى تبعة
الذنب ذنبا كما سمى جزاء السيئة سيئة . فإن قلت : قد أبيت أن تكون تلك الثلاث عللا وجعلتها تمهيدا للعذر فيما
التمسه فما قولك في هذه الرابعة ؟ قلت : هذه استدفاع للبلية المتوقعة ، وفرق من أن يقتل قبل أداء الرسالة فكيف
يكون تعللا ، والدليل عليه ما جاء بعده من كلمة الردع والموعد بالكلاءة والدفع . جمع الله له الاستجابتين معا في
قوله ( كلا فاذهبا ) لأنه استدفعه بلاءهم فوعده الدفع بردعه عن الخوف ، والتمس منه الموازرة بأخيه فأجابه بقوله
اذهبا ، أي اذهب أنت والذي طلبته وهو هارون ، فإن قلت : علام عطف قوله فاذهبا ؟ قلت : على الفعل الذي
يدل عليه كلا ، كأنه قيل : ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون ، وقوله ( معكم مستمعون ) من مجاز
الكلام يريد : أنا لكما ولعدو كما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجرى بينكما وبينه فأظهر كما
وغلبكما وكسر شوكته عنكما ونكسه . ويجوز أن يكونا خبرين لأن ، أو يكون مستمعون مستقرا ومعكم لغوا .
فإن قلت : لم جعلت مستمعون قرينة معكم في كونه من باب المجاز والله تعالى يوصف على الحقيقة بأنه سميع وسامع ؟
قلت : ولكن لا يوصف بالمستمع على الحقيقة لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء ، والاستماع من السمع بمنزلة النظر
من الرؤية ومنه قوله تعالى - قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا - ويقال استمع إلى
حديثه وسمع حديثه : أي أصغى إليه وأدركه بحاسة السمع ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " من استمع إلى حديث
قوم وهم له كارهون صب في أذنيه البرم " فإن قلت : هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله - إنا رسولا ربك - ؟
قلت : الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة ، فجعل ثم بمعنى المرسل فلم يكن بد من تثنيته ، وجعل ههنا
بمعنى الرسالة فجازت التسوية فيه ، إذ وصف به بين الواحد والتثنية والجمع كما يفعل بالصفة بالمصادر نحو صوم
وزور ، قال
ألكني إليها وخير الرسول * أعلمهم بنواحي الخبر
فجعله للجماعة والشاهد في الرسول بمعنى الرسالة قوله :
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم * بسر ولا أرسلتهم برسول