تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
أن أرسل معنا بني إسرائيل . قال ألم نربك فينا وليدا . ولبثت فينا من عمرك سنين . وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين . قال فعلتها إذا وأنا من الضالين . ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربى حكما وجعلني من المرسلين . وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل .
شرح
ويجوز أن يوحد لأن حكمهما لتساندهما واتفاقهما على شريعة واحدة واتحادهما لذلك وللأخوة كان حكما واحد فكأنهما رسول واحد ، أو أريد أن كل واحد منا ( أن أرسل ) بمعنى أي أرسل لتضمن الرسول معنى الإرسال وتقول : أرسلت إليك أن افعل كذا ، لما في الإرسال من معنى القول كما في المناداة والكتابة ونحو ذلك ، ومعنى هذا الإرسال التخلية والإطلاق كقولك أرسل البازي ، يريد خلهم يذهبوا معنا إلى فلسطين وكانت مسكنهما . ويروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب : إن ههنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين ، فقال : ائذن له لعلنا نضحك منه ، فأديا إليه الرسالة فعرف موسى ، فقال له ( ألم نربك ) حذف فأتيا فرعون فقولا له ذلك لأنه معلوم لا يشتبه ، وهذا النوع من الاختصار كثير في التنزيل . الوليد : الصبى لقرب عهده من الولادة . وفى رواية عن أبي عمرو من عمرك بسكون الميم ( سنين ) قيل مكث عندهم ثلاثين سنة . وقيل وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة وفر منهم على أثرها والله أعلم بصحيح ذلك . وعن الشعبي فعلتك بالكسر ، وهى قتلة القبطي لأنه قتله بالوكزة وهو ضرب من القتل ، وأما الفعلة فلأنها كانت وكزة واحدة ، عدد عليه نعمته من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال ووبخه بما جرى على يده من قتل خبازه ، وعظم ذلك وفظعه بقوله - وفعلت فعلتك التي فعلت - ( وأنت من الكافرين ) يجوز أن يكون حالا : أي قتلته وأنت لذاك من الكافرين بنعمتي ، أو وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة وقد افترى عليه أو جهل أمره لأنه كان يعايشهم بالتقية ، فإن الله تعالى عاصم من يريد أن يستنبأه من كل كبيرة ومن بعض الصغائر فما بال الكفر . ويجوز أن يكون قوله - وأنت من الكافرين - حكما عليه بأنه من الكافرين بالنعم ، ومن كانت عادته كفران النعم لم يكن قتل خواص المنعم عليه بدعا منه ، أو بأنه من الكافرين لفرعون وإلهيته ، أو من الذين كانوا يكفرون في دينهم فقد كانت لهم آلهة يعبدونهم يشهد لذلك قوله تعالى - ويذرك وآلهتك - وقرئ الهتك . فأجابه موسى بأن تلك الفعلة إنما فرطت منه وهو ( من الضالين ) أي الجاهلين . وقراءة ابن مسعود من الجاهلين مفسرة ، والمعنى : من الفاعلين فعل أولى الجهل والسفه كما قال يوسف لإخوته - هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون - أو المخطئين كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل ،
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 108 | الزمخشري