تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
أهل لغير الله به ، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم . وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ، ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون . فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين . سيقول الذين أشركوا
شرح
قبله ، سمى ما أهل به لغير الله فسقا لتوغله في باب الفسق ومنه قوله تعالى - ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق - وأهل صفة له منصوبة المحل ، ويجوز أن يكون مفعولا له من أهل : أي أهل لغير الله به فسقا ، فإن قلت : فعلام تعطف " أهل " وإلام يرجع الضمير في " به " على هذا القول ؟ قلت : يعطف على يكون ويرجع الضمير إلى ما يرجع إليه المستكن في يكون ( فمن اضطر ) فمن دعته الضرورة إلى أكل شئ من هذه المحرمات ( غير باغ ) على مضطر مثله تارك لمواساته ( ولا عاد ) متجاوز قدر حاجته من تناوله ( فإن ربك غفور رحيم ) لا يؤاخذه . ذو الظفر ماله أصبع من دابة أو طائر ، وكان بعض ذوات الظفر حلالا لهم فلما ظلموا حرم ذلك عليهم ، فعم التحريم كل ذي ظفر بدليل قوله - فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم - وقوله ( ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ) كقولك : من زيد أخذت ماله تريد بالإضافة زيادة الربط . والمعنى : أنه حرم عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه وكل شئ منه ، وترك البقر والغنم على التحليل لم يحرم منهما إلا الشحوم الخالصة وهي الثروب وشحوم الكلى وقوله ( إلا ما حملت ظهورهما ) يعني إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحفة ( أو الحوايا ) أو اشتمل على الأمعاء ( أو ما اختلط بعظم ) وهو شحم الألية ، وقيل الحوايا عطف على شحومهما ، وأو بمنزلتها في قولهم : جالس الحسن أو ابن سيرين ( ذلك ) الجزاء ( جزيناهم ) وهو تحريم الطيبات ( ببغيهم ) بسبب ظلمهم ( وإنا لصادقون ) فيما أوعدنا به العصاة لا نخلفه كما لا نخلف ما وعدناه أهل الطاعة ، فلما عصوا وبغوا ألحقنا بهم الوعيد وأحللنا بهم العقاب ( فإن كذبوك ) في ذلك وزعموا أن الله واسع الرحمة وأنه لا يؤاخذ بالبغي ويخلف الوعيد جودا وكرما ( فقل ) لهم ( ربكم ذو رحمة واسعة ) لأهل طاعته ( ولا يرد بأسه ) مع سعة رحمته ( عن القوم المجرمين ) فلا تغتر برجاء رحمته عن خوف نقمته ( سيقول الذين أشركوا )
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 58 | الزمخشري