تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين ؟ أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين . ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ، فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين . قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا
شرح
اثنين ، يريد الذكر والأنثى كالجمل والناقة والثور والبقرة والكبش والنعجة والتيس والعنز ، والواحد إذا كان وحده فهو فرد ، فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجا وهما زوجان بدليل قوله - خلق الزوجين الذكر والأنثى - والدليل عليه قوله تعالى - ثمانية أزواج - ثم فسرها بقوله - من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين - ونحو تسميتهم الفرد بالزوج بشرط أن يكون معه آخر من جنسه تسميتهم الزجاجة كأسا بشرط أن يكون فيها خمر . والضأن والمعز جمع ضائن وماعز كتاجر وتجر ، وقرئا بفتح العين ، وقرأ أبي ومن المعزى . وقرئ اثنان على الابتداء . الهمزة في ( آلذكرين للإنكار ، والمراد بالذكرين الذكر من الضأن والذكر من المعز . وبالاثنين الأنثى من الضأن والأنثى من المعز على طريق الجنسية ، والمعنى إنكار أن يحرم الله تعالى من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئا من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما تحمل إناث الجنسين ، وكذلك الذكران من جنسي الإبل والبقر والأنثيان منهما وما تحمل إناثهما ، وذلك أنهم كانوا يحرمون ذكورة الأنعام تارة وإناثها تارة وأولادهما كيفما كانت ذكورا وإناثا أو مختلطة تارة ، وكانوا يقولون قد حرمها الله فأنكر ذلك عليهم ( نبئوني بعلم ) أخبروني بأمر معلوم من جهة الله تعالى يدل على تحريم ما حرمتم ( إن كنتم صادقين ) في أن الله حرمه ( أم كنتم شهداء ) بل أكنتم شهداء . ومعنى الهمزة الإنكار : يعني أم شاهدتم ربكم حين أمركم بهذا التحريم ، وذكر المشاهدة على مذهبهم لأنهم كانوا لا يؤمنون برسول وهم يقولون الله حرم هذا الذي نحرمه فتهكم بهم في قوله - أم كنتم شهداء - على معنى أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) فنسب إليه تحريم ما لم يحرم ( ليضل الناس ) وهو عمرو بن لحي بن قمعة الذي بحر البحائر وسيب السوائب . فإن قلت : كيف فصل بين بعض المعدود وبعضه ولم يوال بينه ؟ قلت : قد وقع الفاصل بينهما اعتراضا غير أجنبي من المعدود ، وذلك أن الله عز وجل من على عباده بإنشاء الأنعام لمنافعهم وبإباحتها لهم ، فاعترض بالاحتجاج على من حرمها والاحتجاج على من حرمها تأكيد وتسديد للتحليل ، والاعتراضات في الكلام لا تساق إلا للتوكيد ( فيما أوحي إلي ) تنبيه على أن التحريم إنما يثبت بوحي الله تعالى وشرعه لا بهوى الأنفس ( محرما ( طعاما محرما من المطاعم التي حرمتموها ( إلا أن يكون ميتة ) إلا أن يكون الشئ المحرم ميتة ( أو دما مسفوحا ) أي مصبوبا سائلا كالدم في العروق لا كالكبد والطحال ، وقد رخص في دم العروق بعد الذبح ( أو فسقا ) عطف على المنصوب
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 57 | الزمخشري