أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا . أم أمنتم أن يعيدكم فيها تارة
أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا
به تبيعا . ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات
وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا .
شرح
وحيث كان ( أو يرسل عليكم حاصبا ) وهي الريح التي تحصب : أي ترمي الحصباء ، يعني أو إن لم يصبكم
بالهلاك من تحتكم بالخسف أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء يرجمكم بها يكون أشد عليكم
من الغرق في البحر ( وكيلا ) من يتوكل بصرف ذلك عنكم ( أم أمنتم ) أن يقوى دواعيكم ويوفر حوائجكم
إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذي نجاكم منه فأعرضتم فينتقم منكم بأن يرسل ( عليكم قاصفا ) وهي الريح التي لها
قصيف وهو الصوت الشديد كأنها تتقصف : أي تنكسر ، وقيل التي لا تمر بشئ إلا قصفته ( فيغرقكم ) وقرئ
بالتاء : أي الريح وبالنون وكذلك نخسف ونرسل ونعيدكم قرئت بالياء والنون . التبيع المطالب من قوله - فاتباع
بالمعروف - أي مطالبة . قال الشماخ * كما لاذ الغريم من التبيع * يقال فلان على فلان تبيع بحقه : أي مصيطر
عليه مطالب له بحقه . والمعنى أنا نفعل ما نفعل بهم ثم لا تجد أحدا يطالبنا بما فعلنا انتصارا منا ودركا للثأر من
جهتنا ، وهذا نحو قوله - ولا يخاف عقباها - ( بما كفرتم ) بكفرانكم النعمة يريد إعراضهم حين نجاهم . قيل في
تكرمة ابن آدم كرمه الله بالعقل والنطق والتمييز والخط والصورة الحسنة والقامة المعتدلة وتدبير أمر المعاش والمعاد ،
وقيل بتسلطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم ، وقيل كل شئ يأكل بفيه إلا ابن آدم . وعن الرشيد أنه أحضر
طعاما فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف فقال له : جاء في تفسير جدك ابن عباس قوله تعالى - ولقد كرمنا بني آدم -
جعلنا لهم أصابع يأكلون بها ، فأحضرت الملاعق فردها وأكل بأصابعه ( على كثير ممن خلقنا ) هو ما سوى
الملائكة ، وحسب بني آدم تفضيلا أن ترفع عليهم الملائكة وهم هم ومنزلتهم عند الله منزلتهم ، والعجب من المجبرة