تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا . وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا
شرح
ويولون الدبر - قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون - وغير ذلك فجعله كأن قد كان ووجد فقال - أحاط بالناس - على عادته في إخباره ، وحين تزاحف الفريقان يوم بدر والنبي صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي بكر رضي الله عنه كان يدعو ويقول : " اللهم إني أسألك عهدك ووعدك ، ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول : سيهزم الجمع ويولون الدبر " ولعل الله تعالى أراه مصارعهم في منامه فقد كان يقول حين ورد ماء بدر " والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ، وهو يومئ إلى الأرض ويقول : هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان " فتسامعت قريش بما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر يوم بدر وما أري في منامه من مصارعهم ، فكانوا يضحكون ويستسخرون ويستعجلون به استهزاء ، وحين سمعوا بقوله - إن شجرة الزقوم طعام الأثيم - جعلوها - سخرية وقالوا : إن محمدا يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة ثم يقول ينبت فيها الشجر ، وما قدر الله حق قدره من قال ذلك ، وما أنكروا أن يجعل الله الشجرة من جنس لا تأكله النار . فهذا وبر السمندل وهو دويبة ببلاد الترك تتخذ منه مناديل إذا اتسخت طرحت في النار فذهب الوسخ وبقي المنديل سالما لا تعمل فيه النار ، وترى النعامة تبتلع الجمر وقطع الحديد الحمر كالجمر بإحماء النار فلا تضرها ، ثم أقرب من ذلك أن خلق في كل شجرة نارا فلا تحرقها فما أنكروا أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها ، والمعنى : أن الآيات إنما أرسل بها تخويفا للعباد وهؤلاء قد خوفوا بعذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر . فما كان ما ( أريناك ) منه في منامك بعد الوحي إليك ( إلا فتنة ) لهم حيث اتخذوه سخريا وخوفوا بعذاب الآخرة وشجرة الزقوم فما أثر فيهم ، ثم قال لهم ( ونخوفهم ) أي نخوفهم بمخاوف الدنيا والآخرة ( فما يزيدهم ) التخويف ( إلا طغيانا كبيرا ) فكيف يخاف قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات . وقيل الرؤيا هي الإسراء وبه تعلق من يقول كان الإسراء في المنام ومن قال كان في اليقظة فسر الرؤيا بالرؤية ، وقيل إنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له لعلها رؤيا رأيتها وخيال خيل إليك استبعادا منهم ، كما سمى أشياء بأساميها عند الكفرة نحو قوله - فراغ إلى آلهتهم - أين شركائي - ذق إنك أنت العزير الكريم - وقيل هي رؤياه أنه سيدخل مكة ، وقيل رأى في المنام أن ولد الحكم يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكرة . فإن قلت : أين لعنت شجرة الزقوم في القرآن ؟ قلت : لعنت حيث لعن طاعموها من الكفرة والظلمة ، لأن الشجرة لا ذنب لها حتى تلعن على الحقيقة ، وإنما وصفت بلعن أصحابها على المجاز ، وقيل وصفها الله باللعن ، لأن اللعن الإبعاد من الرحمة