وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر فلبث في
السجن بضع سنين . وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع
سنبلات خضر وأخر يابسات
شرح
فما وجه التوحيد ؟ قلت : المراد بالأمر ما اتهم به من سم الملك وما صحبنا من أجله ، وظنا أن ما رأياه في معنى ما انزل
بهما ، فكأنهما كانا يستفتيانه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك ، فقال لهما : قضى الأمر الذي فيه
تستفتيان : أي ما يجر إليه من العاقبة وهى هلاك أحدهما ونجاة الآخر ، وقيل جحدا وقالا ما رأينا شيئا على ما روى
أنهما تحالما له ، فأخبرهما أن ذلك كائن صدقتما أو كذبتما ( ظن أنه ناج ) الظان هو يوسف إن كان تأويله بطريق
الاجتهاد وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الشرابي ، أو يكون الظن بمعنى اليقين ( اذكرني عند ربك ) صفنى
عند الملك بصفتي وقص عليه قصتي لعله يرحمني وينتاشني من هذه الورطة ( فأنساه الشيطان ) فأنسى الشرابي ( ذكر
ربه ) أن يذكره لربه ، وقيل فأنسى يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره ( بضع سنين ) البضع ما بين الثلاث
إلى التسع ، وأكثر الأقاويل على أنه لبث فيه سبع سنين . فإن قلت : كيف يقدر الشيطان على الإنساء ؟ قلت :
يوسوس إلى العبد بما يشغله عن الشئ من أسباب النسيان حتى يذهب عنه ويزل عن قلبه ذكره ، وأما الإنساء
ابتداء فلا يقدر عليه إلا الله عز وجل - ما ننسخ من آية أو ننسها - . فإن قلت : ما وجه إضافة الذكر إلى ربه إذا
أريد به الملك ، وما هي بإضافة المصدر إلى الفاعل ولا إلى المفعول ؟ قلت : قد لابسه في قولك فأنساه الشيطان
ذكره لربه أو عند ربه ، فجازت إضافته إليه لأن الإضافة تكون بأدنى ملابسة ، أو على تقدير : فأنساه الشيطان
ذكر إخبار ربه ، فحذف المضاف الذي هو الأخبار . فإن قلت : لم أنكر على يوسف الاستعانة بغير الله في كشف
ما كان فيه وقد قال الله تعالى - وتعاونوا على البر والتقوى - وقل حكاية عن عيسى عليه السلام - من أنصاري إلى
الله - وفى الحديث ( الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم ، من فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه
كربة من كرب الآخرة ) وعن عائشة رضي الله عنها ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذه النوم ليلة من
الليالي ، وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد فسمعت غطيطه ) وهل ذلك إلا مثل التداوي بالأدوية والتقوى
بالأشربة والأطعمة ، وإن كان ذلك لأن الملك كان كافرا فلا خلاف في جواز أن يستعان بالكفار في دفع الظلم والغرق
والحرق ونحو ذلك من المضار ؟ قلت كما اصطفى الله تعالى الأنبياء على خليقته فقد اصطفى لهم أحسن الأمور
وأفضلها وأولاها ، والأحسن والأولى بالنبي أن لا يكل أمره إذا ابتلى ببلاء إلا إلى ربه ، ولا يعتضد إلا ربه ،
خصوصا إذا كان المعتضد به كافرا لئلا يشمت به الكفار ويقولوا : لو كان هذا على الحق وكان له رب يغيثه لما
استغاث بنا . وعن الحسن : أنه كان يبكى إذا قرأها ويقول : نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس . ولما دنا فرج
يوسف رأى ملك مصر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هالته ، رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع
بقرات عجاف ، فابتلعت العجاف السمان ، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعا أخر يابسات قد
استحصدت وأدركت ، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها ، فاستعبرها فلم يجد في قومه من يحسن
عبارتها ( سمان ) جمع سمين وسمينة وكذلك رجال ونسوة كرام . فإن قلت : هل من فرق بين إيقاع سمان صفة