تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ويستنبئونك أحق هو قل أي وربى إنه لحق وما أنتم بمعجزين . ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون . ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون . هو يحيى ويميت وإليه ترجعون . يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا
شرح
لأن استعجالهم كان على جهة التكذيب والإنكار . وقرئ آلآن بحذف الهمزة التي بعد اللام والفاء حركتها على اللام ( ثم قيل للذين ظلموا ) عطف على قيل المضمر قبل آلآن ( ويستنبؤنك ) ويستخبرونك فيقولون ( أحق هو ) وهو استفهام على جهة الإنكار والاستهزاء . وقرأ الأعمش آلحق هو ، وهو أدخل في الاستهزاء لتضمنه معنى التعريض بأنه باطل ، وذلك أن اللام للجنس فكأنه قيل : أهو الحق لا الباطل ، أو هو الذي سميتموه الحق والضمير للعذاب الموعود ، و ( أي ) بمعنى نعم في القسم خاصة كما كان هل بمعنى قد في الاستفهام خاصة ، وسمعتهم يقولون في التصديق أيو فيصلونه بواو القسم ولا ينطقون به وحده ( وما أنتم بمعجزين ) بفائتين العذاب وهو لاحق بكم لا محالة ( ظلمت ) صفة لنفس على : ولو أن لكل نفس ظالمة ( ما في الأرض ) أي ما في الدنيا اليوم من خزائنها وأموالها وجميع منافعها على كثرتها ( لافتدت به ) لجعلته فدية لها ، يقال فداه فافتدى ، ويقال افتداه أيضا بمعنى فداه ( وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ) لأنهم بهتوا لرؤيتهم مالم يحتسبوه ولم يخطر ببالهم ، وعاينوا من شدة الأمر وتفاقمه ما سلبهم قواهم وبهرهم فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا ، ولا ما يفعله الجازع سوى إسرار الندم والحسرة في القلوب كما ترى المقدم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخطب ويغلب حتى لا ينبس بكلمة ويبقى جامدا مبهوتا . وقيل أسر رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم حياء منهم وخوفا من توبيخهم . وقيل أسروها أخلصوها ، إما لأن إخفاءها إخلاصا ، وإما من قولهم سر الشئ لخالصه ، وفيه تهكم بهم وبإخطائهم وقت إخلاص الندامة . وقيل أسروا الندامة : أظهروها من قولهم أسر الشئ وأشره إذا أظهره وليس هناك تجلد ( وقضى بينهم ) أي بين الظالمين والمظلومين دل على ذلك ذكر الظلم . ثم أتبع ذلك الإعلام بأن له الملك كله وأنه المثيب والمعاقب ، وما وعده من الثواب والعقاب فهو حق ، وهو القادر على الإحياء والإماتة لا يقدر عليهما غيره ، وإلى حسابه وجزائه المرجع ليعلم أن الأمر كذلك فيخاف ويرجى ولا يغتر به المغترون ( قد جاءتكم موعظة ) أي قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد ( و ) هو ( شفاء ) أي دواء لما في صدوركم من العقائد الفاسدة ودعاء إلى الحق ( ورحمة ) لمن آمن به منكم . أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ( فبذلك فليفرحوا ) والتكرير
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 241 | الزمخشري