ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون
ويستنبئونك أحق هو قل أي وربى إنه لحق وما أنتم بمعجزين . ولو أن لكل
نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى
بينهم بالقسط وهم لا يظلمون . ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله
حق ولكن أكثرهم لا يعلمون . هو يحيى ويميت وإليه ترجعون . يا أيها الناس قد
جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل
بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا
شرح
لأن استعجالهم كان على جهة التكذيب والإنكار . وقرئ آلآن بحذف الهمزة التي بعد اللام والفاء حركتها على
اللام ( ثم قيل للذين ظلموا ) عطف على قيل المضمر قبل آلآن ( ويستنبؤنك ) ويستخبرونك فيقولون ( أحق هو )
وهو استفهام على جهة الإنكار والاستهزاء . وقرأ الأعمش آلحق هو ، وهو أدخل في الاستهزاء لتضمنه معنى
التعريض بأنه باطل ، وذلك أن اللام للجنس فكأنه قيل : أهو الحق لا الباطل ، أو هو الذي سميتموه الحق والضمير
للعذاب الموعود ، و ( أي ) بمعنى نعم في القسم خاصة كما كان هل بمعنى قد في الاستفهام خاصة ، وسمعتهم يقولون
في التصديق أيو فيصلونه بواو القسم ولا ينطقون به وحده ( وما أنتم بمعجزين ) بفائتين العذاب وهو لاحق بكم
لا محالة ( ظلمت ) صفة لنفس على : ولو أن لكل نفس ظالمة ( ما في الأرض ) أي ما في الدنيا اليوم من خزائنها
وأموالها وجميع منافعها على كثرتها ( لافتدت به ) لجعلته فدية لها ، يقال فداه فافتدى ، ويقال افتداه أيضا بمعنى
فداه ( وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ) لأنهم بهتوا لرؤيتهم مالم يحتسبوه ولم يخطر ببالهم ، وعاينوا من شدة الأمر
وتفاقمه ما سلبهم قواهم وبهرهم فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا ، ولا ما يفعله الجازع سوى إسرار الندم والحسرة
في القلوب كما ترى المقدم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخطب ويغلب حتى لا ينبس بكلمة ويبقى جامدا مبهوتا .
وقيل أسر رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم حياء منهم وخوفا من توبيخهم . وقيل أسروها أخلصوها ،
إما لأن إخفاءها إخلاصا ، وإما من قولهم سر الشئ لخالصه ، وفيه تهكم بهم وبإخطائهم وقت إخلاص الندامة .
وقيل أسروا الندامة : أظهروها من قولهم أسر الشئ وأشره إذا أظهره وليس هناك تجلد ( وقضى بينهم ) أي بين
الظالمين والمظلومين دل على ذلك ذكر الظلم . ثم أتبع ذلك الإعلام بأن له الملك كله وأنه المثيب والمعاقب ، وما
وعده من الثواب والعقاب فهو حق ، وهو القادر على الإحياء والإماتة لا يقدر عليهما غيره ، وإلى حسابه وجزائه
المرجع ليعلم أن الأمر كذلك فيخاف ويرجى ولا يغتر به المغترون ( قد جاءتكم موعظة ) أي قد جاءكم كتاب
جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد ( و ) هو ( شفاء ) أي دواء لما في صدوركم من العقائد الفاسدة
ودعاء إلى الحق ( ورحمة ) لمن آمن به منكم . أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ( فبذلك فليفرحوا ) والتكرير