أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ؟ ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدى
العمى ولو كانوا لا يبصرون ؟ إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم
يظلمون . ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد
خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين . وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو
نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون . ولكل أمة رسول فإذا جاء
رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون .
شرح
في صماخه دوى الصوت ، فإذا اجتمع سلب السمع والعقل جميعا فقد تم الأمر . وأتحسب أنك تقدر على هداية العمى
ولو انضم إلى العمى وهو فقد البصر فقد البصيرة ، لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يحدس ويتظنن ، وأما
العمى مع الحمق فجهد البلاء : يعنى أنهم في الياس من أن يقبلوا ويصدقوا كالصم والعمى الذين لا بصائر لهم ولا
عقول . وقوله ( أفأنت - أفأنت ) دلالة على أنه لا يقدر على إسماعهم وهدايتهم إلا الله عز وجل بالقسر والإلجاء ،
كما لا يقدر على رد الأصم والأعمى المسلوبي العقل حديدي السمع والبصر راجحي العقل إلا هو وحده ( إن الله
لا يظلم الناس شيئا ) أي لا ينقصهم شيئا مما يتصل بمصالحهم من بعثة الرسل وإنزال الكتب ، ولكنهم يظلمون أنفسهم
بالكفر والتكذيب . ويجوز أن يكون وعيدا للمكذبين : يعنى أن ما يلحقهم يوم القيامة من العذاب لا حق بهم على
سبيل العدل والاستيجاب ، ولا يظلمهم الله به ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف ما كان سببا فيه ( إلا ساعة من
النهار ) يستقربون وقت لبثهم في الدنيا . وقيل في القبور لهول ما يرون ( يتعارفون بينهم ) يعرف بعضهم بعضا كأنهم
لم يتفارقوا إلا قليلا وذلك عند خروجهم من القبور ، ثم ينقطع التعارف بينهم لشدة الأمر عليها . فإن قلت : كأن
لم يلبثوا ويتعارفون كيف موقعهما ؟ قلت : أما الأولى فحال من هم : أي نحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة ،
وأما الثانية فإما أن تتعلق بالظرف وإما أن تكون مبينة لقوله - كأن لم يلبثوا إلا ساعة - لأن التعارف لا يبقى مع طول
العهد وينقلب تناكرا ( قد خسر ) على إرادة القول : أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك ، أو هي شهادة من الله تعالى
على خسرانهم . والمعنى : أنهم وضعوا في تجارتهم وبيعهم الإيمان بالكفر ( وما كانوا مهتدين ) للتجارة عارفين
بها ، وهو استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل : ما أخسرهم ( فالينا مرجعهم ) جواب نتوفينك وجواب نرينك
محذوف كأنه قيل : وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك ، أو نتوفينك قبل أن نريكه ، فنحن نريكه
في الآخرة . فإن قلت : الله شهيد على ما يفعلون في الدارين فما معنى ثم ؟ قلت : ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها
ونتيجتها وهو العقاب كأنه قال : ثم الله معاقب على ما يفعلون . وقرأ ابن أبي عبلة ثم بالفتح : أي هنالك ، ويجوز
أن يراد أن الله مؤد شهادته على أفعالهم يوم القيامة حين ينطق جلودهم وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم شاهدة عليهم
( ولكل أمة رسول ) يبعث إليهم لينبههم على التوحيد ويدعوهم إلى دين الحق ( فإذا جاء ) هم ( رسولهم ) بالبينات
فكذبوه ولم يتبعوه ( قضى بينهم ) أي بين النبي ومكذبيه ( بالقسط ) بالعدل فأنجى الرسول وعذب المكذبون