من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين ، لئن أنجيتنا من
هذه لنكونن من الشاكرين . فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ،
شرح
( من كل مكان ) من جميع أمكنة الموج ( أحيط بهم ) أي أهلكوا جعل إحاطة العدو بالحي مثلا في الهلاك ( مخلصين
له الدين ) من غير إشراك به لأنهم لا يدعون حينئذ غيره معه ( لئن أنجيتنا ) على إرادة القول ، أو لأن دعوا من
جملة القول ( يبغون في الأرض ) يفسدون فيها ويعبثون متراقين في ذلك ممعنين فيه من قولك بغى الجرح إذا ترامى
إلى الفساد . فإن قلت : فما معنى قوله ( بغير الحق ) والبغي لا يكون بحق ؟ قلت : بلى وهو استيلاء المسلمين على
أرض الكفرة وهدم دورهم وإحراق زروعهم وقطع أشجارهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببنى
قريظة . قرئ متاع الحياة الدنيا بالنصب . فإن قلت : ما الفرق بين القراءتين ؟ قلت : إذا رفعت كان المتاع خبرا
للمبتدأ الذي هو بغيكم ، وعلى أنفسكم صلته كقوله - فبغى عليهم - ومعناه : إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم
جنسكم : يعنى بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا لا بقاء لها ، وإذا نصبت فعلى أنفسكم خبر غير صلة
معناه : إنما بغيكم وبال على أنفسكم ، ومتاع الحياة الدنيا في موضع المؤكد كأنه قيل : تتمتعون متاع
الحياة الدنيا ، ويجوز أن يكون الرفع على هو متاع الحياة الدنيا بعد تمام الكلام . وعن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال ( لا تمكر ولا تغن ماكرا ، ولا تبغ ولا تعن باغيا ، ولا تنكث ولا تعن ناكثا وكان يتلوها ) . وعنه عليه
الصلاة والسلام ( أسرع الخير ثوابا صلة الرحم ، وأعجل الشر عقابا البغى واليمين الفاجرة ) . وروى ( ثنتان
يعجلهما الله تعالى في الدنيا : البغى ، وعقوق الوالدين ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما ( لو بغى جبل على جبل
لدك الباغي ) وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه : يا صاحب البغى إن البغى مصرعة * فأربع فخير فعال المرء أعدله
فلو بغى جبل يوما على جبل * لاندك منه أعاليه وأسفله