تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
فانتظروا إني معكم من المنتظرين وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون . هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج
شرح
به ، لا علم لي ولا لأحد به : يعنى أن الصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب لا يعلمه إلا هو ( فانتظروا ) نزول ما اقترحتموه ( إني معكم من المنتظرين ) لما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات . سلط الله القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم بالحيا ، فلما رحمهم طفقوا يطعنون في آيات الله ويعادون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكيدونه ، وإذا الأولى للشرط والآخرة جوابها وهى للمفاجأة والمكر : إخفاء الكيد وطيه من الجارية الممكورة المطوية الخلق ، ومعنى ( مستهم ) خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم ، فإن قلت : ما وصفهم بسرعة المكر فكيف صح قوله ( أسرع مكرا ) ؟ قلت : بلى دلت على ذلك كلمة المفاجأة كأنه قال : وإذا رحمناهم من بعد ضراء فاجئوا وقوع المكر منهم وسارعوا إليه قبل أن يغسلوا رؤوسهم من مس الضراء ولم يتلبثوا ريثما يسيغون غصتهم . والمعنى : أن الله تعالى دبر عقابكم وهو موقعه بكم قبل أن تدبروا كيف تعملون في إطفاء نور الإسلام ( إن رسلنا يكتبون ) إعلام بأن ما تظنونه خافيا مطويا لا يخفى على الله وهو منتقم منكم . وقرئ يمكرون بالتاء والياء ، وقيل مكرهم قولهم : سقينا بنوء كذا . وعن أبي هريرة ( إن الله ليصبح القوم بالنعمة ويمسيهم فتصبح طائفة منهم بها كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا ) . قرأ زيد بن ثابت ينشركم ، ومثله قوله - فانتشروا في الأرض - ثم إذا أنتم بشر تنتشرون - . فإن قلت : كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر والتسيير في البحر إنما هو بالكون في الفلك ؟ قلت : لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر ، ولكن مضمون الجملة الشرطية الواقعة بعد حتى بما في حيزها كأنه قيل : يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكان كيت وكيت من مجئ الريح العاصف وتراكم الأمواج والظن للهلاك والدعاء بالإنجاء . فإن قلت : ما جواب إذا ؟ قلت : جاءتها . فإن قلت : تدعوا ؟ قلت : بدل من ظنوا لأن دعاهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو متلبس به . فإن قلت : ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة ؟ قلت : المبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعى منهم الإنكار والتقبيح . فإن قلت : ما وجه قراءة أم الدرداء في الفلكي بزيادة يائي النسب ؟ قلت : قيل هما زائدتان كما في الخارجي والأحمري ، ويجوز أن يراد به اللج والماء الغمر الذي لا تجرى الفلك إلا فيه ، والضمير في ( جرين ) للفلك لأنه جمع فلك كالأسد في فعل أخي فعل ، وفى قراءة أم الدرداء للفلك أيضا ، لأن الفلكي يدل عليه ( جاءتها ) جاءت الريح الطيبة : أي تلقتها ، وقيل الضمير للفلك