فانتظروا إني معكم من المنتظرين وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا
لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون . هو الذي
يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا
بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج
شرح
به ، لا علم لي ولا لأحد به : يعنى أن الصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب لا يعلمه إلا هو ( فانتظروا )
نزول ما اقترحتموه ( إني معكم من المنتظرين ) لما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات . سلط الله القحط
سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم بالحيا ، فلما رحمهم طفقوا يطعنون في آيات الله ويعادون
رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكيدونه ، وإذا الأولى للشرط والآخرة جوابها وهى للمفاجأة والمكر : إخفاء
الكيد وطيه من الجارية الممكورة المطوية الخلق ، ومعنى ( مستهم ) خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم ، فإن
قلت : ما وصفهم بسرعة المكر فكيف صح قوله ( أسرع مكرا ) ؟ قلت : بلى دلت على ذلك كلمة المفاجأة كأنه
قال : وإذا رحمناهم من بعد ضراء فاجئوا وقوع المكر منهم وسارعوا إليه قبل أن يغسلوا رؤوسهم من مس الضراء
ولم يتلبثوا ريثما يسيغون غصتهم . والمعنى : أن الله تعالى دبر عقابكم وهو موقعه بكم قبل أن تدبروا كيف
تعملون في إطفاء نور الإسلام ( إن رسلنا يكتبون ) إعلام بأن ما تظنونه خافيا مطويا لا يخفى على الله وهو منتقم
منكم . وقرئ يمكرون بالتاء والياء ، وقيل مكرهم قولهم : سقينا بنوء كذا . وعن أبي هريرة ( إن الله ليصبح
القوم بالنعمة ويمسيهم فتصبح طائفة منهم بها كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا ) . قرأ زيد بن ثابت ينشركم ، ومثله
قوله - فانتشروا في الأرض - ثم إذا أنتم بشر تنتشرون - . فإن قلت : كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير
في البحر والتسيير في البحر إنما هو بالكون في الفلك ؟ قلت : لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر ،
ولكن مضمون الجملة الشرطية الواقعة بعد حتى بما في حيزها كأنه قيل : يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة
وكان كيت وكيت من مجئ الريح العاصف وتراكم الأمواج والظن للهلاك والدعاء بالإنجاء . فإن قلت :
ما جواب إذا ؟ قلت : جاءتها . فإن قلت : تدعوا ؟ قلت : بدل من ظنوا لأن دعاهم من لوازم ظنهم الهلاك
فهو متلبس به . فإن قلت : ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة ؟ قلت : المبالغة كأنه يذكر لغيرهم
حالهم ليعجبهم منها ويستدعى منهم الإنكار والتقبيح . فإن قلت : ما وجه قراءة أم الدرداء في الفلكي بزيادة
يائي النسب ؟ قلت : قيل هما زائدتان كما في الخارجي والأحمري ، ويجوز أن يراد به اللج والماء الغمر الذي
لا تجرى الفلك إلا فيه ، والضمير في ( جرين ) للفلك لأنه جمع فلك كالأسد في فعل أخي فعل ، وفى قراءة
أم الدرداء للفلك أيضا ، لأن الفلكي يدل عليه ( جاءتها ) جاءت الريح الطيبة : أي تلقتها ، وقيل الضمير للفلك