تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون . فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين . هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون . قل من يرزقكم من السماء والأرض
شرح
لا يخلو إما أن يكون أغشيت من قبل أو من الليل صفة لقوله قطعا فكان إفضاؤه إلى الموصوف كافضائه إلى الصفة ، وإما أن يكون معنى الفعل في من الليل ( مكانكم ) الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم ، و ( أنتم ) أكد به الضمير في مكانكم لسده مسد قوله الزموا ( وشركاؤكم ) عطف عليه . وقرئ وشركاءكم على أن الواو بمعنى مع ، والعامل فيه ما في مكانكم من معنى الفعل ( فزيلنا بينهم ) ففرقنا بينهم وقطعنا أقرانهم والوصل التي كانت بينهم في الدنيا ، أو فباعدنا بينهم بعد الجمع بينهم في الموقف . وتبرؤ شركائهم منهم ومن عبادتهم كقوله تعالى - ثم قيل لهم أينما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا - وقرئ فزايلنا بينهم كقولك : صاعر خده وصعره ، وكالمته وكلمته ( ما كنتم إيانا تعبدون ) إنما كنتم تعبدون الشياطين حيث أمروكم أن تتخذوا لله أندادا فأطعتموهم ( إن كنا ) هي المخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ، هم الملائكة والمسيح ومن عبدوه من دون الله من أولى العقل . وقيل الأصنام ينطقها الله عز وجل فتشافههم بذلك مكان الشفاعة التي زعموها وعلقوا بها أطماعهم ( هنالك ) في ذلك المقام وفى ذلك الموقف أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان ( تبلوا كل نفس ) تختبر وتذوق ( ما أسلفت من العمل فتعرف كيف هو أقبيح أم حسن ، أنافع أم ضار ، أمقبول أم مردود ؟ كما يختبر الرجل الشئ ويتعرفه ليكتنه حاله ، ومنه قوله تعالى - يوم تبلى السرائر - . وعن عاصم نبلو كل نفس بالنون ونصب كل : أي نختبرها باختبار ما أسلفت من العمل فنعرف حالها بمعرفة حال عملها ، إن كان حسنا فهي سعيدة ، وإن كان سيئا فهي شقية . والمعنى : نفعل بها فعل الخابر كقوله تعالى - ليبلوكم أيكم أحسن عملا - ويجوز أن يراد نصيب بالبلاء وهو العذاب كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشر . وقرئ تتلوا : أي تتبع ما أسلفت ، لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار ، أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر ( مولاهم ) ربهم الصادق ربوبيته ، لأنهم كانوا يتولون ما ليس لربوبيته حقيقة ، أو الذي يتولى حسابهم وثوابهم العدل الذي لا يظلم أحدا . وقرئ الحق بالفتح على تأكيد قوله - ردوا إلى الله - كقولك : هذا عبد الله الحق لا الباطل ، أو على المدح كقولك : الحمد لله أهل الحمد ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) وضاع عنهم ما كانوا يدعون أنهم شركاء لله ، أو بطل عنهم ما كانوا يختلفون من الكذب وشفاعة الآلهة ( قل من يرزقكم من السماء والأرض ) أي يرزقكم منهما جميعا لم يقتصر يرزقكم على جهواحدة ليفيض عليكم