ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون . إن في اختلاف الليل والنهار وما
خلق الله في السماوات والأض لآيات لقوم يتقون . إن الذين لا يرجون لقاءنا
ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون . أولئك مأواهم النار
بما كانوا يكسبون . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم
تجرى من تحتهم الأنهار في جنات النعيم . دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم
شرح
الشهور والأيام والليالي ( ذلك ) إشارة إلى المذكور : أي ما خلقه إلا متلبسا بالحق الذي هو الحكمة البالغة ولم
يخلقه عبثا . وقرئ يفعل بالياء . خص المتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى النظر والتدبر ( لا يرجون
لقاءنا ) لا يتوقعونه أصلا ولا يخطرونه ببالهم لغفلتهم المستولية عليهم المذهلة باللذات وحب العاجل عن التفطن
للحقائق ، أو لا يأملون حسن لقائنا كما يأمله السعداء ، أو لا يخافون سوء لقائنا الذي يجب أن يخاف ( ورضوا
بالحياة الدنيا ) من الآخرة ، وآثروا القليل الفاني على الكثير الباقي كقوله تعالى - أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة -
( واطمأنوا بها ) وسكنوا فيها سكون من لا يزعج منها فبنوا شديدا وأملوا بعيدا ( يهديهم ربهم بإيمانهم ) يسددهم
بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك السبيل المؤدى إلى الثواب ولذلك جعل ( تجرى من تحتهم الأنهار ) بيانا له
وتفسيرا لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها ، ويجوز أن يريد يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق
الجنة كقوله تعالى - يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم - ومنه الحديث ( إن المؤمن
إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له أنا عملك ، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة ، والكافر
إذا خرج من قبره صور له عمله في صوره سيئة فيقول أنا عملك ، فينطلق به حتى يدخله النار ) . فإن قلت : فلقد
دلت هذه الآية على أن الإيمان الذي يستحق به العبد الهداية والتوفيق والنور يوم القيامة هو إيمان مقيد ، وهو
الإيمان المقرون بالعمل الصالح والإيمان الذي لم يقرن بالعمل الصالح فصاحبه لا توفيق له ولا نور . قلت : الأمر
كذلك ، ألا ترى كيف أوقع الصلة مجموعا فيها بين الإيمان والعمل كأنه قال : إن الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح
ثم قال بإيمانهم أي بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح وهو بين واضح لا شبهة فيه ( دعواهم ) دعاؤهم لأن اللهم