تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 619

مساهمون:

ص٦١٩
وإن كثيرا من الناس لفاسقون . أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون . يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم ، إن الله لا يهدي القوم الظالمين . فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ،
شرح
يعني بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه ، فوضع ببعض ذنوبهم موضع ذلك ، وأراد أن لهم ذنوبا جمة كثيرة العدد ، وأن هذا الذنب مع عظمه بعضها وواحد منها ، وهذا الابهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه ، ونحو البعض في هذا الكلام ما في قول لبيد * أو يرتبط بعض النفوس حمامها * أراد نفسه وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الابهام كأنه قال : نفسا كبيرة ونفسا أي نفس ، فكما أن التنكير يعطي معنى التكبير وهو معنى البعضية فكذلك إذا صرح بالبعض ( لفاسقون ) لمتمردون في الكفر معتدون فيه : يعني أن التولي عن حكم الله من التمرد العظيم والاعتداء في الكفر ( أفحكم الجاهلية يبغون ) فيه وجهان : أحدهما أن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى . وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : القتلى بواء ، فقال بنو النضير : نحن لا نرضى بذلك فنزلت . والثاني أن يكون تعييرا لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم ، وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل لا تصدر عن كتاب ولا ترجع إلى وحي من الله تعالى . وعن الحسن : هو عام في كل من يبغي غير حكم الله . والحكم حكمان : حكم بعلم فهو حكم الله ، وحكم بجهل فهو حكم الشيطان . وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض فقرأ هذه الآية . وقرئ تبغون بالتاء والياء ، وقرأ السلمي أفحكم الجاهلية يبغون برفع الحكم على الابتداء وإيقاع يبغون خبرا وإسقاط الراجع عنه كإسقاطه عن الصلة في - أهذا الذي بعث الله رسولا - وعن الصفة في الناس رجلان رجل أهنت ورجل أكرمت ، وعن الحال في مررت بهند يضرب زيد . وقرأ قتادة أفحكم الجاهلية ، على أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به أفعى نجران أو نظيره من حكام الجاهلية ، فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكما كأولئك الحكام . اللام في قوله ( لقوم يوقنون ) للبيان كاللام في هيت لك : أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون فإنهم الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكما منه . لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتصافونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين ثم علل النهي بقوله ( بعضهم أولياء بعض ) أي إنما يوالي بعضهم بعضا لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم ( ومن يتولهم منكم فإنه ) من جملتهم وحكمه حكمهم وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تراءى ناراهما ) ومنه قوله عمر رضي الله عنه لأبي موسى في كاتبه النصراني : لا تكرموهم إذ أهانهم الله ، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله ، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله . وروي أنه قال له أبو موسى لأقوام للبصرة إلا به فقال مات النصراني والسلام : يعني هب أنه قد مات فما كنت تكون صانعا حينئذ فاصنعه الساعة واستغن عنه بغيره ( إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) يعني الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفر يمنعهم الله ألطافه ويخذلهم مقتا لهم ( يسارعون فيهم )