وإن كثيرا من الناس لفاسقون . أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله
حكما لقوم يوقنون . يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء
بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم ، إن الله لا يهدي القوم الظالمين .
فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ،
شرح
يعني بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه ، فوضع ببعض ذنوبهم موضع ذلك ، وأراد أن لهم ذنوبا جمة
كثيرة العدد ، وأن هذا الذنب مع عظمه بعضها وواحد منها ، وهذا الابهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه ،
ونحو البعض في هذا الكلام ما في قول لبيد * أو يرتبط بعض النفوس حمامها * أراد نفسه وإنما قصد تفخيم
شأنها بهذا الابهام كأنه قال : نفسا كبيرة ونفسا أي نفس ، فكما أن التنكير يعطي معنى التكبير وهو معنى البعضية
فكذلك إذا صرح بالبعض ( لفاسقون ) لمتمردون في الكفر معتدون فيه : يعني أن التولي عن حكم الله من التمرد
العظيم والاعتداء في الكفر ( أفحكم الجاهلية يبغون ) فيه وجهان : أحدهما أن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم
بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى . وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : القتلى
بواء ، فقال بنو النضير : نحن لا نرضى بذلك فنزلت . والثاني أن يكون تعييرا لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم ، وهم
يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل لا تصدر عن كتاب ولا ترجع إلى وحي من الله تعالى . وعن
الحسن : هو عام في كل من يبغي غير حكم الله . والحكم حكمان : حكم بعلم فهو حكم الله ، وحكم بجهل فهو
حكم الشيطان . وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض فقرأ هذه الآية . وقرئ تبغون بالتاء والياء ،
وقرأ السلمي أفحكم الجاهلية يبغون برفع الحكم على الابتداء وإيقاع يبغون خبرا وإسقاط الراجع عنه كإسقاطه عن
الصلة في - أهذا الذي بعث الله رسولا - وعن الصفة في الناس رجلان رجل أهنت ورجل أكرمت ، وعن الحال
في مررت بهند يضرب زيد . وقرأ قتادة أفحكم الجاهلية ، على أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به أفعى نجران
أو نظيره من حكام الجاهلية ، فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكما كأولئك الحكام . اللام في قوله
( لقوم يوقنون ) للبيان كاللام في هيت لك : أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون فإنهم الذين يتيقنون
أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكما منه . لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتصافونهم
وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين ثم علل النهي بقوله ( بعضهم أولياء بعض ) أي إنما يوالي بعضهم بعضا لاتحاد ملتهم
واجتماعهم في الكفر فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم ( ومن يتولهم منكم فإنه ) من جملتهم وحكمه حكمهم وهذا
تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
( لا تراءى ناراهما ) ومنه قوله عمر رضي الله عنه لأبي موسى في كاتبه النصراني : لا تكرموهم إذ أهانهم الله ، ولا
تأمنوهم إذ خونهم الله ، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله . وروي أنه قال له أبو موسى لأقوام للبصرة إلا به فقال مات
النصراني والسلام : يعني هب أنه قد مات فما كنت تكون صانعا حينئذ فاصنعه الساعة واستغن عنه بغيره ( إن الله
لا يهدي القوم الظالمين ) يعني الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفر يمنعهم الله ألطافه ويخذلهم مقتا لهم ( يسارعون فيهم )