وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والاذن بالاذن
والسن بالسن والجروح قصاص ، فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل
الله فأولئك هم الظالمون . وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه
من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى
وموعظة للمتقين . وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله
فأولئك هم الفاسقون .
شرح
( أن النفس ) مأخوذة ( بالنفس ) مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق ( و ) كذلك ( العين ) مفقوءة ( بالعين والأنف )
مجدوع ( بالأنف والاذن ) مصلومة ( بالاذن والسن ) مقلوعة ( بالسن والجروح قصاص ) ذات قصاص وهو
المقاصة ، ومعناه ما يمكن فيه القصاص وتعرف المساواة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا لا يقتلون
الرجل بالمرأة فنزلت ( فمن تصدق ) من أصحاب الحق ( به ) بالقصاص وعفا عنه ( فهو كفارة له ) فالتصدق به
كفارة للمتصدق يكفر الله من سيئاته ما تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته . وعن عبد الله بن عمرو يهدم عنه من
ذنوبه بقدر ما تصدق به . وقيل فهو كفارة للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما لزمه . وفي قراءة أبي :
فهو كفارته له : يعني فالمتصدق كفارته له : أي الكفارة التي يستحقها له لا ينقص منها ، وهو تعظيم لما فعل
كقوله تعالى - فأجره على الله - وترغيب في العفو . قفيته مثل عقبته إذا أتبعته ، ثم يقال قفيته بفلان وعقبته به ،
فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء . فإن قلت : فأين المفعول الأول في الآية ؟ قلت : هو محذوف والظرف الذي هو
( على آثارهم ) كالساد مسده ، لأنه إذا قفي به على أثره فقد قفى به إياه ، والضمير في آثارهم للنبيين في قوله - يحكم
بها النبيون الذين أسلموا - وقرأ الحسن الإنجيل بفتح الهمزة ، فإن صح عنه فلانه أعجمي خرج لعجمته عن زنات
العربية كما خرج هابيل وآجر ( ومصدقا ) عطف على محل فيه هدى ومحله النصب على الحال ( وهدى وموعظة )
يجوز أن ينتصب على الحال كقوله مصدقا ، وأن ينتصبا مفعولا لهما كقوله وليحكم ، كأنه قيل وللهدى والموعظة
آتيناه الإنجيل ، وللحكم بما أنزل الله فيه من الاحكام . فإن قلت : فإن نظمت هدى وموعظة في سلك مصدقا فما
تصنع بقوله وليحكم ؟ قلت : أصنع به ما صنعت بهدى وموعظة حين جعلتهما مفعولا لهما ، فأقدر وليحكم أهل
الإنجيل بما أنزل الله آتيناه إياه . وقرئ وليحكم على لفظ الامر بمعنى : وقلنا ليحكم . وروي في قراءة أبي وأن
ليحكم بزيادة أن مع الامر على أن موصولة بالامر كقولك أمرته بأن قم ، كأنه قيل : وآتيناه الإنجيل ، وأمرنا بأن
يحكم أهل الإنجيل . وقيل إن عيسى عليه السلام كان متعبدا بما في التوراة من الاحكام لان الإنجيل مواعظ
وزواجر والاحكام فيه قليلة ، وظاهر قوله - وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه - يرد ذلك ، وكذلك قوله
- لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا - وإن ساغ لقائل أن يقول معناه : وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل