لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا . فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ، وكان الله
عفوا غفورا . ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ،
شرح
التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ، ومن الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل المهاجرون إلى أرض
الحبشة ، وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب
والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر ، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة حقت عليه المهاجرة .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجبت له الجنة ،
وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام ) . اللهم إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار
بديني فاجعلها سببا في خاتمة الخير ودرك المرجو من فضلك والمبتغى من رحمتك ، وصل جواري لك بعكوفي عند
بيتك بجوارك في دار كرامتك يا واسع المغفرة . ثم استثنى من أهل الوعيد المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة في
الخروج لفقرهم وعجزهم ولا معرفة لهم بالمسالك . ( وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بهذه الآية إلى
مسلمي مكة فقال جندب بن ضمرة أو ضمرة بن جندب لبنيه : احملوني فإني لست من المستضعفين ، وإني لأهتدي
الطريق ، والله لا أبيت الليلة بمكة ، فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة وكان شيخا كبيرا فمات بالتنعيم ) فإن
قلت : كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد كأنهم كانوا يستحقون الوعيد مع الرجال والنساء
لو استطاعوا حيلة واهتدوا سبيلا ؟ قلت : الرجال والنساء قد يكونون مستطيعين مهتدين وقد لا يكونون كذلك ،
وأما الولدان فلا يكونون إلا عاجزين عن ذلك ، فلا يتوجه عليهم وعيد لان سبب خروج الرجال والنساء من
جملة أهل الوعيد إنما هو كونهم عاجزين ، فإذا كان العجز متمكنا في الولدان لا ينفكون عنه كانوا خارجين من
جملتهم ضرورة هذا إذا أريد بالولدان الأطفال ، ويجوز أن يراد المراهقون منهم الذين عقلوا ما يعقل الرجال
والنساء فيلحقوا بهم في التكليف ، وإن أريد بهم العبيد والإماء البالغون فلا سؤال . فإن قلت : الجملة التي هي
( لا يستطيعون ) ما موقعها ؟ قلت : هي صفة للمستضعفين أو للرجال والنساء والولدان ، وإنما جاز ذلك والجمل
نكرات لان الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس لشئ بعينه كقوله * ولقد أمر على اللئيم يسبني *
فإن قلت : لم قيل ( عسى الله أن يعفو عنهم ) بكلمة الأطماع ؟ قلت : للدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق
لا توسعة فيه ، حتى إن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول : عسى الله أن يعفو عني فكيف بغيره ( مراغما )