تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦
وكلا وعد الله الحسنى ، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما . درجات منه ومغفرة ورحمة ، وكان الله غفورا رحيما . إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم ؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا . إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان
شرح
ما لهم لا يستوون ، فأجيب بذلك . والمعنى على القاعدين غير أولي الضرر لكون الجملة بيانا للجملة الأولى المتضمنة لهذا الوصف ( وكلا ) وكل فريق من القاعدين والمجاهدين ( وعد الله الحسنى ) أي المثوبة الحسنى وهي الجنة إن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة . وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( لقد خلفتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ، وهم الذين صحت نياتهم ونصحت جيوبهم وكانت أفئدتهم تهوى إلى الجهاد وبهم ما يمنعهم من المسير من ضرر أو غيره ) . فإن قلت : قد ذكر الله تعالى مفضلين درجة ومفضلين درجات فمن هم ؟ قلت : أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين الاضراء ، وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم لان الغزو فرض كفاية . فإن قلت : لم نصب درجة وأجرا ودرجات ؟ قلت : نصب قوله درجة لوقوعها موقع المرة من التفضيل كأنه قيل فضلهم تفضيلة واحدة ، ونظيره قولك ضربه سوطا بمعنى ضربه ضربة ، وأما أجرا فقد انتصب بفضل لأنه في معنى أجرهم أجرا ودرجات ومغفرة ورحمة بدل من أجرا ، ويجوز أن ينتصب درجات نصب درجة كما تقول ضربه أسواطا بمعنى ضربات كأنه قيل وفضله تفضيلات ، ونصب أجرا عظيما على أنه حال عن النكرة التي هي درجات مقدمة عليها وانتصب مغفرة ورحمة بإضمار فعلهما بمعنى وغفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة ( توفاهم ) يجوز أن يكون ماضيا كقراءة من قرأ توفتهم ، ومضارعا بمعنى تتوفاهم كقراءة من قرأ توفاهم على مضارع وفيت بمعنى أن الله يوفى الملائكة أنفسهم فيتوفونها : أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها ( ظالمي أنفسهم ) في حال ظلمهم أنفسهم ( قالوا ) قال الملائكة للمتوفين ( فيم كنتم ) في أي شئ كنتم من أمر دينكم وهم ناس من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة . فإن قلت : كيف صح وقوع قوله ( كنا مستضعفين في الأرض ) جوابا عن قولهم فيم كنتم وكان حق الجواب أن يقولوا كنا في كذا أو لم نكن في شئ . قلت : معنى فيم كنتم التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شئ من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا فقالوا : كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به واعتلالا بالاستضعاف ، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شئ فبكتهم الملائكة بقولهم ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) أرادوا إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 556 | الزمخشري