تبتغون عرض الحياة الدنيا ، فعند الله مغانم كثيرة ، كذلك كنتم من قبل
فمن الله عليكم فتبينوا ، إن الله كان بما تعملون خبيرا . لا يستوي القاعدون من
المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله
المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ،
شرح
وأصله أن مرداس بن نهيك رجلا من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره ، فغزتهم سرية لرسول الله صلى الله
عليه وسلم كان عليها غالب بن فضالة الليثي ، فهربوا وبقى مرداس لثقته بإسلامه ، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى
عاقول من الجبل وصعد ، فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل وقال لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم ،
فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه ، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجدا شديدا وقال : قتلتموه
إرادة ما معه ، ثم قرأ الآية على أسامة فقال : يا رسول الله استغفر لي ، قال : فكيف بلا إله إلا الله ؟ قال أسامة :
فما زال يعيدها حتى وددت أن لم أكن أسلمت إلا يومئذ ، ثم استغفر لي وقال : أعتق رقبة ) ( تبتغون عرض
الحياة الدنيا ) تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع النفاد ، فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال
من تقتلونه ( فعند الله مغانم كثيرة ) يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الاسلام ويتعوذ به من التعرض له
لتأخذوا ماله ( كذلك كنتم من قبل ) أول ما دخلتم في الاسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت دماءكم
وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم ( فمن الله عليكم ) بالاستقامة والاشتهار بالايمان
والتقدم ، وإن صرتم أعلاما فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الاسلام كما فعل بكم ، وأن تعتبروا ظاهر الاسلام
في المكافة ولا تقولوا إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية فتجعلوه سلما إلى استباحة دمه وماله وقد حرمهما
الله ، وقوله ( فتبينوا ) تكرير للامر بالتبين ليؤكد عليهم ( إن الله كان بما تعملون خبيرا ) فلا تتهافتوا في القتل
وكونوا محترزين محتاطين في ذلك ( غير أولي الضرر ) قرئ بالحركات الثلاث ، فالرفع صفة للقاعدون ، والنصب
استثناء منهم أو حال عنهم ، والجر صفة للمؤمنين . والضرر : المرض أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو
نحوها . وعن زيد بن ثابت ( كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذه على
فخذي حتى خشيت أن ترضها ، ثم سرى عنه فقال : اكتب فكتبت في كتف - لا يستوي القاعدون من المؤمنين
والمجاهدون - فقال ابن أم مكتوم وكان أعمى : يا رسول الله وكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين ؟ فغشيته
السكينة كذلك ثم قال : اقرأ يا زيد فقرأت - لا يستوي القاعدون من المؤمنين - فقال - غير أولي الضرر - قال زيد :
أنزلها الله وحدها فألحقتها ، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في الكتف ) . وعن ابن عباس
لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها . وعن مقاتل : إلى تبوك . فإن قلت : معلوم أن القاعد بغير عذر
والمجاهد لا يستويان فما فائدة نفي الاستواء ؟ قلت : معناه الأذكار بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد ليأنف
القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته ، ونحوه - هل يستوي الذين
يعلمون والذين لا يعلمون - أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم ولينهض بنفسه عن صفة
الجهل إلى شرف العلم ( فضل الله المجاهدين ) جملة موضحة لما نفى من استواء القاعدين والمجاهدين كأنه قيل :