تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 555

مساهمون:

ص٥٥٥
تبتغون عرض الحياة الدنيا ، فعند الله مغانم كثيرة ، كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا ، إن الله كان بما تعملون خبيرا . لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ،
شرح
وأصله أن مرداس بن نهيك رجلا من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره ، فغزتهم سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليها غالب بن فضالة الليثي ، فهربوا وبقى مرداس لثقته بإسلامه ، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد ، فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل وقال لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم ، فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه ، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجدا شديدا وقال : قتلتموه إرادة ما معه ، ثم قرأ الآية على أسامة فقال : يا رسول الله استغفر لي ، قال : فكيف بلا إله إلا الله ؟ قال أسامة : فما زال يعيدها حتى وددت أن لم أكن أسلمت إلا يومئذ ، ثم استغفر لي وقال : أعتق رقبة ) ( تبتغون عرض الحياة الدنيا ) تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع النفاد ، فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه ( فعند الله مغانم كثيرة ) يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الاسلام ويتعوذ به من التعرض له لتأخذوا ماله ( كذلك كنتم من قبل ) أول ما دخلتم في الاسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم ( فمن الله عليكم ) بالاستقامة والاشتهار بالايمان والتقدم ، وإن صرتم أعلاما فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الاسلام كما فعل بكم ، وأن تعتبروا ظاهر الاسلام في المكافة ولا تقولوا إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية فتجعلوه سلما إلى استباحة دمه وماله وقد حرمهما الله ، وقوله ( فتبينوا ) تكرير للامر بالتبين ليؤكد عليهم ( إن الله كان بما تعملون خبيرا ) فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك ( غير أولي الضرر ) قرئ بالحركات الثلاث ، فالرفع صفة للقاعدون ، والنصب استثناء منهم أو حال عنهم ، والجر صفة للمؤمنين . والضرر : المرض أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها . وعن زيد بن ثابت ( كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضها ، ثم سرى عنه فقال : اكتب فكتبت في كتف - لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون - فقال ابن أم مكتوم وكان أعمى : يا رسول الله وكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين ؟ فغشيته السكينة كذلك ثم قال : اقرأ يا زيد فقرأت - لا يستوي القاعدون من المؤمنين - فقال - غير أولي الضرر - قال زيد : أنزلها الله وحدها فألحقتها ، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في الكتف ) . وعن ابن عباس لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها . وعن مقاتل : إلى تبوك . فإن قلت : معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان فما فائدة نفي الاستواء ؟ قلت : معناه الأذكار بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته ، ونحوه - هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون - أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم ( فضل الله المجاهدين ) جملة موضحة لما نفى من استواء القاعدين والمجاهدين كأنه قيل :