ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا . فقاتل في سبيل الله
لا تكلف إلا نفسك ،
شرح
إذاعتهم مفسدة - ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الامر - وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا لعلم الذين يستنبطون
تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه . وقيل كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئا من الخبر عن السرايا
مظنونا غير معلوم الصحة فيذيعونه ، فيعود ذلك وبالا على المؤمنين ، ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الامر وقالوا
نسكت حتى نسمعه منهم ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع - لعلمه الذين يستنبطونه منهم - لعلم صحته وهل هو مما يذاع
أو لا يذاع ، هؤلاء المذيعون وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر : أي يتلقونه منهم ويستخرجون علمه
من جهتهم ، يقال أذاع السر وأذاع به ، قال :
أذاع به في الناس حتى كأنه
بعلياء نارا أوقدت بثقوب
ويجوز أن يكون المعنى : فعلوا به الإذاعة وهو أبلغ من أذاعوه . وقرئ لعلمه بإسكان اللام كقوله :
فان أهجه يضجر كما ضجر بازل
من الأدم دبرت صفحتاه وغاربه
والنبط : الماء يخرج من البئر أول ما تحفر ، وإنباطه واستنباطه : إخراجه واستخراجه ، فاستعير لما يستخرجه
الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل ويهم ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ) وهو إرسال الرسول
وإنزال الكتاب والتوفيق ( لاتبعتم الشيطان ) لبقيتم على الكفر ( إلا قليلا ) منكم أو إلا اتباعا قليلا . لما ذكر في
الآي قبلها تثبطهم عن القتال وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها قال ( فقاتل في سبيل الله ) إن أفردوك وتركوك
وحدك ( لا تكلف إلا نفسك ) غير نفسك وحدها إن تقدمها إلى الجهاد فإن الله هو ناصرك لا الجنود ، فإن شاء
نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف . وقيل دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج وكان أبو سفيان واعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها ، فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت ، فخرج وما معه إلا سبعون