فمن الله ، وما أصابك من سيئة فمن نفسك ، وأرسلناك للناس رسولا ، وكفى بالله
شهيدا . من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا .
ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ، والله يكتب
ما يبيتون ، فأعرض عنهم وتوكل على الله ، وكفى بالله وكيلا . أفلا يتدبرون القرآن
ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .
شرح
( فمن الله ) تفضلا منه وإحسانا وامتنانا وامتحانا ( وما أصابك من سيئة ) أي من بلية ومصيبة ( فمن نفسك ) لأنك
السبب فيها بما اكتسبت يداك - وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير - وعن عائشة رضي الله
عنها ( ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله
أكثر ) ( وأرسلناك للناس رسولا ) أي رسولا للناس جميعا لست برسول العرب وحدهم أنت رسول العرب والعجم
كقوله - وما أرسلناك إلا كافة للناس - قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا - ( وكفى بالله شهيدا ) على ذلك
فما ينبغي لاحد أن يخرج عن طاعتك واتباعك ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله به ولا
ينهى إلا عما نهى الله عنه ، فكانت طاعته في امتثال ما أمر به والانتهاء عما نهى عنه طاعة الله . وروي أنه قال
( من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله فقال المنافقون : ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل ،
لقد قارف الشرك وهو ينهى أن يعبد غير الله ، ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى
فنزلت ) ( ومن تولى ) عن الطاعة فأعرض عنه ( فما أرسلناك ) إلا نذيرا لا حفيظا ومهيمنا عليهم تحفظ عليهم
أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم كقوله - وما أنت عليهم بوكيل - ( ويقولون ) إذا أمرتهم بشئ ( طاعة ) بالرفع :
أي أمرنا وشأننا طاعة ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة ، وهذا من قول المرتسم سمعا وطاعة ونحوه قول سيبويه :
وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له كيف أصبحت ؟ فيقول حمد الله وثناء عليه كأنه قال : أمري وشأني حمد
الله ، ولو نصب حمد الله وثناء عليه كان على الفعل ، والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها ( بيت طائفة ) زورت
طائفة وسوت ( غير الذي تقول ) خلاف ما قلت وما أمرت به ، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة لأنهم
أبطلوا الرد لا القبول والعصيان لا الطاعة وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون ، والتبييت إما من البيتوتة لأنه قضاء
الامر وتدبيره بالليل ، يقال هذا أمر بيت بليل ، وإما من أبيات الشعر لان الشاعر يديرها ويسويها ( والله يكتب
ما يبيتون ) يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه على سبيل الوعيد أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك على
أسرارهم فلا يحسبوا أن إبطانهم يغني عنهم ( فأعرض عنهم ) ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم ( وتوكل على الله )
في شأنهم فإن الله يكفيك معرتهم وينتقم لك منهم إذا قوي أمر الاسلام وعز أنصاره . وقرئ بيت طائفة بالادغام
وتذكير الفعل ، لان تأنيث الطائفة غير حقيقي ولأنها في معنى الفريق والفوج . تدبر الامر تأمله والنظر في أدباره
وما يؤول إليه في عاقبته ومنتهاه ، ثم استعمل في كل تأمل ، فمعنى تدبر القرآن تأمل معانيه وتبصر ما فيه ( لوجدوا فيه
اختلافا كثيرا ) لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه ، فكان بعضه بالغا حد الاعجاز