أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا . ودوا لو تكفرون
كما كفروا فتكونون سواء ، فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن
تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ، ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا . إلا
الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن
يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ، ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ، فإن
اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا .
شرح
خذلهم حتى أركسوا فيه لما علم من مرض قلوبهم ( أتريدون أن تهدوا ) أن تجعلوا من جملة المهتدين ( من أضل الله )
من جعله من جملة الضلال وحكم عليه بذلك أو خذله حتى ضل . وقرئ ركسهم وركسوا فيها ( فتكونون )
عطف على تكفرون ، ولو نصب على جواب التمني لجاز . والمعنى : ودوا كفركم فكونكم معهم شرعا واحدا فيما
هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء . فلا تتولوهم وإن آمنوا حتى يظاهروا إيمانهم بهجرة صحيحة هي لله ورسوله
لا لغرض من أغراض الدنيا مستقيمة ليس بعدها بداء ولا تعرب ( فإن تولوا ) عن الايمان الظاهر بالهجرة الصحيحة
المستقيمة ، فحكمهم حكم سائر المشركين يقتلون حيث وجدوا في الحل والحرم ، وجانبوهم مجانبة كلية وإن
بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم ( إلا الذين يصلون ) استثناء من قوله فخذوهم واقتلوهم . ومعنى يصلون
إلى قوم : ينتهون إليهم ويتصلون بهم . وعن أبي عبيدة هو من الانتساب ، وصلت إلى فلان واتصلت به : إذا
انتميت إليه . وقيل إن الانتساب لا أثر له في منع القتال ، فقد قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من هو
من أنسابهم . والقوم هم الأسلميون كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ، وذلك أنه وادع وقت
خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه ، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه
فله من الجوار مثل الذي لهلال ، وقيل القوم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح ( أو جاءوكم ) لا يخلو من أن
يكون معطوفا على صفة قوم كأنه قيل : إلا الذين يتصلون بالمعاهدين أو الذين لا يقاتلونكم ، والوجه العطف على
الصلة لقوله ( فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ) بعد قوله ( فخذوهم
واقتلوهم حيث وجدتموهم ) فقرر أن كفهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض عنهم وترك الايقاع بهم .