والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ، فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان
كان ضعيفا . ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة
فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ،
شرح
واختص من سبيل الله خلاص المستضعفين لان سبيل الله عام في كل خير وخلاص المستضعفين من المسلمين من
أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه ، والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين
أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد ، وكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله
لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وناصر وهو محمد صلى الله
عليه وسلم ، فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر . ولما خرج استعمل على أهل مكة عتاب بن أسيد فرأوا
منه الولاية والنصرة كما أرادوا . قال ابن عباس : كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعز بها من الظلمة .
فإن قلت : لم ذكر الولدان . قلت : تسجيلا بإفراط ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين ارغاما لآبائهم
وأمهاتهم ومبغضة لهم لمكانهم ، ولان المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء
صغارهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس وكما وردت السنة بإخراجهم في الاستقساء . وعن ابن عباس : كنت
أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان . ويجوز أن يراد بالرجال والنساء الأحرار والحرائر ، وبالولدان
العبيد والإماء لان العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة . وقيل للولدان والولائد الولدان لتغليب الذكور على
الإناث كما يقال الآباء والاخوة ، فإن قلت : لم ذكر الظالم وموصوفه مؤنت ؟ قلت : هو وصف للقرية إلا
أنه مسند إلى أهلها فأعطى إعراب القرية لأنه صفتها وذكر لإسناده إلى الأهل كما تقول من هذه القرية التي ظلم
أهلها ؟ ولو أنث فقيل الظالمة أهلها لجاز لا لتأنيث الموصوف ولكن لان الأهل يذكر ويؤنث . فإن قلت : هل
يجوز من هذه القرية الظالمين أهلها ؟ قلت : نعم كما تقول التي ظلموا أهلها على لغة من يقول أكلوني البراغيث ،
ومنه - وأسروا النجوى الذين ظلموا - رغب الله المؤمنين ترغيبا وشجعهم تشجيعا بإخبارهم أنهم إنما يقاتلون
في سبيل الله فهو وليهم وناصرهم ، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الشيطان فلا ولي لهم إلا الشيطان ، وكيد الشيطان
للمؤمنين إلى جنب كيد الله للكافرين أضعف شئ وأوهنه ( كفوا أيديكم ) أي كفوها عن القتال ، وذلك أن
المسلمين كانوا مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه ( فلما كتب عليهم القتال )
بالمدينة مع فريق منهم لا شكا في الدين ولا رغبة عنه ولكن نفورا عن الاخطار بالأرواح وخوفا من الموت
( كخشية الله ) من إضافة المصدر إلى المفعول . فإن قلت : ما محل كخشية الله من الاعراب ؟ قلت : محلة النصب
على الحال من الضمير في يخشون : أي يخشون الناس مثل أهل خشية الله : أي مشبهين لأهل خشية الله ( أو أشد
خشية ) بمعنى أو أشد خشية من أهل خشية الله وأشد معطوف على الحال . فإن قلت : لم عدلت عن الظاهر وهو