ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون . قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم
ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون . أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل
وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم
ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون . تلك أمة قد خلت لها
ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون .
شرح
صبغ كالجلسة من جلس وهى الحالة التي يقع عليها الصبغ ، والمعنى : تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفوس ،
والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم ، وإذا
فعل الواحد منهم بولده ذلك قال : الآن صار نصرانيا حقا ، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم - قولوا آمنا بالله -
وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا ، وطخرنا به تطهيرا لا مثل تطهيرنا ، أو يقول المسلمون : صبغنا الله بالإيمان
صبغته ولم نصبغ صبغتكم ، وإنما جئ بلفظ الصبغة على طريقة المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار : اغرس كما
يغرس فلان ، تريد رجلا يصطنع الكرم ( ومن أحسن من الله صبغة ) يعنى أنه يصبغ عباده بالإيمان وطهرهم به
من أوضار الكفر ، فلا صبغة أحسن من صبغته ، وقوله ( ونحن له عابدون ) عطف على آمنا بالله ، وهذا العطف
يرد قوله من زعم أن صبغة الله بدل من ملة إبراهيم ، أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك
النظم وإخراج الكلام عن التآمه واتساقه ، وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه ، والقول
ما قالت حذام . قرأ زيد بن ثابت - أتحاجونا - بإدغام النون ، والمعنى : أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من
العرب دونكم وتقولون : لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا وترونكم أحق بالنبوة منا ( وهو ربنا وربكم ) نشترك
جميعا في أننا عباده وهو ربنا وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده هم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون
عربي إذا كان أهلا للكرامة ( ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) يعنى أن العمل هو أساس الأمر وبه العبرة ، وكما أن لكم
أعمالا يعتبرها الله في إعطاء الكرامة ومنعها فنحن كذلك ثم قال ( ونحن له مخلصون ) فجاء بما هو سبب الكرامة :
أي ونحن له موحدون نخلصه بالإيمان ، فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوة ، وكانوا يقولون نحن
أحق بأن تكون النبوة فينا لأنا أهل كتاب والعرب عبدة أوثان ( أم تقولون ) يحتمل فيمن قرأ بالتاء أن تكون أم
معادلة للهمزة في أتحاجوننا ، بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة في حكمة الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء ،
والمراد بالاستفهام عنهما إنكارهما معا وأن تكون منقطعة بمعنى بل أتقولون والهمزة للإنكار أيضا ، وفيمن قرأ بالياء
لا تكون إلا منقطعة ( قل أأنتم أعلم أم الله ) يعنى أن الله شهد لهم بملة الإسلام في قوله - ما كان إبراهيم يهوديا ولا
نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما - ( ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ) أي كتم شهادة الله التي عنده أنه شهد
بها وهى شهادته لإبراهيم بالحنيفية . ويحتمل معنيين : أحدهما أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم لأنهم كتموا هذه
الشهادة وهم عالمون بها . والثاني أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها ، وفيه تعريض بكتمانهم
شهادة الله لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة في كتبهم وسائر شهاداته ، ومن في قوله " شهادة عنده من الله " مثلها