وكأنه يريد الصلاة ، فجاوزته إلى غيره ، فنادى : سبحان اللَّه أين السلام ؟ من المجنون أنا أو أنت ؟ فاستحييت وقلت : السلام عليكم ؛ فقال : لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا الردّ الحسن عليك ، غير أنّا نصرف سوء أدبك إلى أحسن جهاته من العذر ، لأنه يقال : للداخل على القوم دهشة ، اجلس أعزّك اللَّه عندنا ، وأو مأ إلى حصيره فنفضه كأنّه يوسّع لي ، فعزمت على الدنوّ منه ، فبادأني القيّم بأمرهم :
إياك إيّاك ! فأحجمت . ثم قال وقد كانت معي محبرة : ما هذا ؟ أتجالس أصحاب الحديث الأغثياء أم الأدباء أصحاب النحو والشعر ؟ قلت : الأدباء ، قال : أفتعرف الذي يقول فيه : [ من المديد المجزوء ]
وفتى من مازن
ساد أهل البصرة
أمّه معرفة
وأبوه نكره
قلت : لا أعرفه . قال : أفتعرف غلاما قد نبغ في هذا العصر معه ذهن وله حفظ ، قد برّز في النحو وجلس في مجلس صاحبه وشاركه فيه يعرف بالمبرّد ؟ قلت :
واللَّه أنا عين الخبير به . قال : فهل أنشدك شيئا من شعره ؟ فقلت : لا أحسبه يقول الشعر ؟ قال : يا سبحان اللَّه ! أليس هو الذي يقول : [ من الرمل المجزوء ]
حبّذا ماء العناقي
د بريق الغانيات
بهما ينبت لحمي
ودمي أيّ نبات
أيّها الطالب أشهى
من لذيد الشهوات
كل بماء المزن تفّا
ح الخدود الناعمات
قلت : قد سمعته ينشد في مجالس الأنس ؟ قال : يا سبحان اللَّه ! أو يستحي أن ينشد هذا حول الكعبة ؟ ما تسمع الناس يقولون في نسبه ؟ قلت : يقولون هو من الأزد ، أزد شنوءة ، ثم من ثمالة ، قال : قاتله اللَّه ما أبعد غوره ، أتعرف قوله :
[ من الوافر ]