بلحاظ رفع الآثار والأحكام ، فيقع الكلام حينئذ في أن المرفوع عموم الآثار أو
بعضها ؟ ( 1 )
هامش
( 1 ) أقول : ينبغي في شرح هذا المرام أن يقال : إنه بعد اختصاص " حديث الرفع " بما في وضعه خلاف
الامتنان على الأمة لا رفع أثره مطلقا - إذ لا امتنان في رفع ما لا يكون في وضعه خلاف امتنان عليهم بل لو
فرض الامتنان فيه فالمتيقن من " الحديث " رفع هذا المقدار لا كل رفع فيه امتنان وإن لم يكن في وضعه
خلاف امتنان - فكان " حديث الرفع " من هذه الجهة نظير " لا ضرر " الغير الشامل للمقدم ، مع أن نفى الحكم
عنه منة عليه أيضا ، فالخبر لا يكاد يشمل الخطأ والنسيان عن تقصيره وتمكنه من حفظه . نعم : لو بلغ حفظ
تمكنه عن الوقوع في الأمور المزبورة إلى حد الحرج ربما يشمله " الحديث " إذ في وضعه عليه أيضا خلاف الامتنان
عليه ، ولذا يشمله عموم " لا حرج " أيضا .
ومن هنا ظهر الحال في " ما لا يطيقون " حرفا بحرف ، كما أن الاضطرار في التكليفيات لا اختصاص
في رفعه بصورة التمكن عن حفظه ، إذ مع قصوره العقل لا يأبى عن فعلية التكليف واستحقاقه العقوبة ، ولذا كان
وضع التكليف في مورده خلاف الامتنان في حقه ، فيشمله " الحديث " بخلاف العناوين السابقة ، إذ مع قصورها يأبى
العقل عن استحقاق العقوبة في موردها ، فلا يكون التكليف في وضعه خلاف امتنان ، وإنما يختص ذلك بصورة خاصة ،
كما أشرنا .
وأما في الوضعيات : فالظاهر أن رفع تأثير المعاملة عن المضطر إليها ولو قصورا خلاف امتنان في حقه ،
لأن في وضعه كمال الامتنان عليه ، وعمدة النكتة فيه : أن في المعاملات المضطر بها الاضطرار دعاه إلى المعاملة ،
فأثر المعاملة بالواسطة تنسب إلى الاضطرار الذي هو مقتضيه ، فيكون من الموارد التي يترتب الأثر على نفس
العنوان باقتضائه و " حديث الرفع " أجنبي عن مثلها ، وهذا بخلاف موارد الاضطرار على مخالفة التكليف ، كما لا
يخفى .
وأما المكره عليه : ففي التكليفيات لا مجال للأخذ باطلاق رفع الإكراه ، كيف ! ولو أكره على الزنا
بتوعيده على أخذ مال قليل منه لا يكون ضرره حرجيا عليه - كالقران أو أقل منه - لم يلتزم أحد بجواز ارتكاب الزنا
أو اللواط أو شرب الخمر ، وهكذا لو كان توعيده بأمر مهم ولكن كان متمكنا عن دفعه بوجه يكره عليه إقدامه
بلا حرج ، فان هذا المقدار يكفي للحكم بفساد المعاملة لكونه مكرها ، ومع ذا لا يكفي في التكليفيات جزما . نعم :
لا بأس بالاكتفاء بمطلق صدق الإكراه في المعاملات لأن في وضعه خلاف امتنان عليه .
لا يقال : إن في المقام أيضا الإكراه دعاه إلى المعاملة ، فأثر المعاملة يحسب لعنوانه .
فإنه يقال : فرق بينه وبين الاضطرار ، فان في الاضطرار كان الاضطرار مقتضيا لتحصيل مال لمعاش
عياله ، ولا يكون ذلك إلا بصحة المعاملة ، وفى الإكراه ليس الأمر كذلك ، بل هو مقتضى لعدم ترتب الأثر ، لأنه
مقتضى للطيب الذي هو من أجزاء المقتضى للصحة أو شرائطه ، فيخرج مثل هذا الأثر من الآثار التي يكون
العناوين المزبورة مقتضيا لها . وما هو مورد انصراف " حديث الرفع " مثل هذه الآثار ، لا كل أثر ينسب إلى
نفسه ، ولو كان مفنيا لمقتضيه أو شرطه ، وذلك أيضا عمدة النكتة الفارقة بين الإكراه والاضطرار .
ولئن شئت قلت : إن الاضطرار مرفوع في خصوص التكليفيات ما لم يكن حفظه حرجيا ولا يشمل
المعاملات أبدا ، والإكراه عليه مختص بالمعاملات ولا يشمل التكاليف أصلا . نعم : إذا بلغ بحد الحرج في ترك
ارتكاب المكره عليه كان الأثر أيضا مرفوعا ، لكن ذلك أيضا من جهة الحرج لا الإكراه ، ولئن شئت فسمه
الإكراه أيضا ، ولكن لا إطلاق فيه ، كما أشرنا .
ثم أن الأثر المرفوع في المكره ليس إلا صحة المعاملة لا الأحكام التكليفية المترتبة على الصحة ، إذ هي
أيضا خلاف امتنان في حق المشترى ، لانتهائه إلى كونه مالكا بلا سلطنة ، بخلاف المرفوع في البقية ، فان المرفوع
فيها نفس التكليف الواقعي المستتبع لنفى ايجاب التحفظ الواصل إلى حد الحرج المستتبع لنفى استحقاق العقوبة
على مخالفتها .
ثم إن في رفع التكليف في باب الاضطرار وغيره لا فرق بين كون التكليف متعلقا بالوجود أو العدم
وبين كون الاضطرار متعلقا بالوجود أو العدم ، إذ مرجع الجميع إلى رفع التكليف عما اضطر على خلاف مقتضاه
نفيا أو إثباتا ، وسيجئ توضيح المقال في الحاشية الآتية .
وأما في " ما لا يعلمون " فالمرفوع فيه ما كان في ظرف الجهل ، وليس هو إلا ايجاب الاحتياط ، ولا مجال
في المقام لتعلق الرفع بنفس التكليف الواقعي ، حتى في صورة الانفتاح ، إذ لا يكون ما في وضعه عليه خلاف
امتنان ، فله إبقاء حكم عقله بالاحتياط أو الفحص ، فرفع هذا الحكم بقلب موضوعه ، حيث إنه تعليقي ، ولا
يحتاج رفعه برفع نفس التكليف الواقعي ، كما أنه في القاصر كان المرفوع ايجاب احتياطه شرعا بلا رفع
التكليف الواقعي إلا عناية وتنزيلا . ونتيجة جميع المرفوعات بالأخرة رفع المؤاخذة عما كان لولا " حديث الرفع "
ولئن تتأمل فيما ذكرنا ترى ما في كلمات الماتن المقرر مواقع النظر ، فتدبر .