تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
وبعيدا ما تقرّبه ، وعتيدا ما تجنّبه . فيا عجبا لمأمور بالتزوّد قد حان سفره ، وأقام من تقدّمه عليه ينتظره ، وهو خليّ من التأهّب لرحلة تذكَّره ، مع صحّة علمه أنّ المنيّة لا تؤخّره . فرحم اللَّه امرءا أهمّه « 1 » معاده ، وتقدّمه زاده ، وكان إلى التقوى انقياده ، ولهواه جهاده ، قبل إخلاق الجدّة ، وإنفاق المدّة ، وانهدام العدّة ، واقتحام الشدّة ، قبل هطلان الرّحضاء ، وبطلان الأعضاء ، وضيق رحب الفضاء ، وحيرة الفتور والإغضاء ، لورود حتم القضاء ، هنالك صالت « 2 » عليك بسطوتها شعوب ، وحالت عن سجيّتها اللعوب ، ورقّت لكرب سياقك القلوب ، وشقّت على قرب فراقك الجيوب ، وطلعت سافرة عن صفحتها المخدّرة العروب ، إذ حان منك في ظلمات التّراب غروب . فأنيبوا أيها الغافلون إذ كنتم موقنين أنّكم صائرون إلى هذا المصير ، وأذيبوا جامد الدموع بنيران الزّفير ، وأطيبوا التزوّد لوشك المسير ، واستجيبوا لربّكم من قبل أن يأتي يوم لا مردّ له من اللَّه ، ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير . جعلنا اللَّه وإياكم ممّن أدّبته العبر ، وهذّبته الفكر ، فأملت عليه غرر الأمور أنباء عواقبها ، وتجلَّت له ستر المحذور عن لألاء قواضبها ، فاستعظم في بقية عمره ادّخار الحسنات ، واستعصم بهضبة الحقّ من شرّ ما هو آت . إنّ أحسن نظم اللاقط ونثره ، وأبلغ وعظ الواعظ وزجره ، كلام من تطمئنّ القلوب بذكره . ويقرأ : * ( والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ومِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ، إِنَّ الله عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) * ( النحل : 70 ) . [ 668 ] - ومن خطبة لقطريّ بن الفجاءة المازني الخارجي :
شرح
« 1 » م : همه . « 2 » ر : مالت .
هامش
[ 668 ] لقطري خطبة في البيان والتبيين 2 : 126 والعقد 4 : 141 وبعضها في عيون الأخبار 2 : 250 ونهاية الأرب 7 : 250 وصبح الأعشى 1 : 223 وجمهرة الخطب 2 : 454 ولكن المشابه بينها وبين الخطبة التي أثبتها صاحب التذكرة ضئيلة ، وإن كانت الخطبتان في ذمّ الدنيا .