تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
أهداه إليّ بعض أهلك ، فهل لك فيه من أرب ؟ قال : أنت وذاك ، فأتيته به فشرب منه وجعل ينكت أحيانا بالسوط على ثناياه ، فكان واللَّه يتبيّن لي ظلّ السوط فيهنّ ، فقلت : مهلا فإني خائف أن تكسرهنّ ، فقال : ولم ؟ قلت : لأنهنّ رقاق عذاب ، قال : ثم رفع عقيرته يتغنّى : [ من الطويل ]
إذا قبّل الإنسان آخر يشتهي ثناياه لم يحرج « 1 » وكان له أجرا فإن زاد زاد اللَّه في حسناته مثاقيل يمحو اللَّه عنه بها الوزرا
ثم قام إلى فرسه فأصلح من أمره ، ثم رجع إليّ فبرقت لي بارقة من تحت الدرع فإذا ثدي كأنه حقّ عاج فقلت : ناشدتك اللَّه امرأة أنت ؟ قالت : إي واللَّه إلا أنها تكره العهر « 2 » وتحبّ الغزل ، ثم جلست فجعلت تشرب معي ما أفتقد من أنسها شيئا ، حتى نظرت إلى عينيها كأنهما عينا مهاة مذعورة ، فو اللَّه ما راعني إلا ميلها على الدوحة سكرى ، فزيّن واللَّه لي الغدر وحسن في عيني ، ثم إنّ اللَّه عزّ وجلّ عصمني ، فجلست منها حجرة ، فما لبثت إلا يسيرا حتى انتبهت فزعة ، فلاثت عمامتها برأسها ، وجالت في متن فرسها وقالت : جزاك اللَّه عن الصحبة خيرا ، قلت : ولم لا تزوّديني منك زادا ، فناولتني يدها فقبّلتها ، فشممت واللَّه منها ريح المسك المفتوت ، فذكرت قول الشاعر : [ من البسيط ]
كأنها إذ تقضّى النوم وانتبهت وسنانة ما بها عين ولا أثر
فقلت : أين الموعد ؟ قالت : إنّ لي إخوة شرسا وأبا غيورا ، واللَّه لأن أسرّك أحبّ إليّ من أن أضرّك ، ثم انصرفت فجعلت أتبعها بصري حتى غابت ، فهي واللَّه يا ابن أبي ربيعة أحلَّتني هذا المحلّ وأبلغتني هذا المبلغ . فقلت : يا أبا المسهر إنّ الغدر بك مع ما تذكر لمليح ، فبكى واشتدّ بكاؤه . فقلت له : لا تبك ، ما قلت
شرح
« 1 » الأغاني : لم يأثم . « 2 » الأغاني : إلا أني أكره العشير .
التذكرة الحمدونية — صفحة 207 | ابن حمدون / احسان عبّاس و بكر عبّاس