تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
بماء لهم يقال له الحوذان ، فركبت فرسي ، وسمطت خلفي شرابا كان أهداه إليّ بعضهم ، ثم مضيت حتى إذا كنت بين الحيّ ومرعى الغنم ، رفعت لي دوحة عظيمة ، فنزلت عن فرسي وشددته بغصن من أغصانها ، وجلست في ظلَّها ، فبينا أنا كذلك إذ سطع غبار من ناحية الحيّ ، ثم رفعت لي شخوص ثلاثة ، ثم تبيّنت فإذا فارس يطرد مسحلا « 1 » وأتانا ، فتأمّلته فإذا عليه درع أصفر وعمامة خزّ سوداء ، وإذا فروع شعره تضرب خصره ، فقلت : غلام حديث عهد بعرس أعجلته لذّة الصيد فترك ثوبه ولبس ثوب امرأته ، فما جاز عني إلَّا قليلا حتى طعن المسحل وثّنى طعنة للأتان ، فصرعهما وأقبل راجعا نحوي وهو يقول : [ من السريع ]
نطعنهم سلكى ومخلوجة كرك لأمين على نابل
فقلت له : إنك قد تعبت وأتعبت فلو نزلت ، فثنى رجله ونزل ، وشدّ فرسه بغصن من أغصان الشجرة ، وألقى رمحه وأقبل حتى جلس ، فجعل يحدّثني حديثا ذكرت فيه قول أبي ذؤيب : [ من الطويل ]
وإنّ حديثا منك لو تعلمينه « 2 » جنى النحل في ألبان عوذ مطافل
فقمت إلى فرسي فأصلحت من أمره ، ثم رجعت وقد حسر العمامة عن رأسه ، فإذا غلام كأنّ وجهه الدينار المنقوش ، فقلت : سبحانك اللَّهم ما أعظم قدرتك وأحسن صنعتك ! فقال لي : ممّ ذاك ؟ قلت : ممّا راعني من جمالك وبهرني من نورك ، قال : وما الذي روّعك من حبيس التراب وأكيل الدوابّ ؟ ثم لا يدري أينعم بعد ذلك أم يبأس ؟ قلت : لا يصنع اللَّه بك إلا خيرا ؛ ثم تحدّثنا ساعة ، فأقبل عليّ فقال : ما هذا أراه قد سمطته خلفك في سرجك ؟ قلت : شراب
شرح
« 1 » المسحل : حمار الوحش . « 2 » الرواية : لو تبذلينه .